الرحلة وثيقة وأدبا والرحالة مؤرخا وشاعراً

الأحد 2014/03/09
كتاب صادق باشا.. نص يقدم المعرفة بالمكان وإنسانه

قبل أيام رجعت من ندوة في الكويت تحت عنوان “الثقافة العربية على طريق الحرير”، وفي الطائرة قضيت الوقت بين أوراق الندوة وبحوثها، ومراجعتي لمخطوط رحلة صادق باشا المؤيد العظم التي قدمت لها قبل 14 عاما تحقيقا أوليا، بوصفها واحدة من أهم المدونات الرحلية التي ظهرت في القرن التاسع عشر بقلم شخصية نهضوية عربية تكتب باللغة التركية.

تُصَنَّف هذه الرحلة في عِداد الرحلات الدبلوماسية، فقد قام مؤلفها صادق باشا المؤيد العظم برحلته إلى الحبشة في ربيع وصيف سنة 1896 موفداً من قبل السلطان عبدالحميد، ومعه رسالة إلى النجاشي منلك الثاني امبراطور الحبشة، الذي استقبله في بلاده بحفاوة تليق بشخصية كبيرة. فالكاتب كان قائداً عسكرياً كبيراً في الجيش العثماني (فريق أول)، ومندوب الدولة العلية في بلغاريا، اضطلع بمهمات عديدة على الأصعدة العسكرية والدبلوماسية، منها الإشراف على مدّ الأسلاك البرقية من دمشق إلى الحجاز، وهو سوري ينتمي إلى أحد أعرق البيوت الدمشقية، ولد ونشأ في دمشق وتلقى دروسه الأولى في مدارسها، وانتقل إلى مدارس بيروت، أما علومه العالية فتابعها في الأستانة وبرلين وتخرج من كلّياتها الحربية، وقام بزيارات عديدة إلى أوروبا.

ونص رحلته هو تدوين لوقائع سِفارته المشار إليها. وللعظم إلى جانب “رحلة الحبشة” كتابٌ آخر في الرحلة تحت عنوان “الرحلة إلى صحراء أفريقيا الكبرى”.. قضى أيامه الأخيرة في دمشق، وتوفي ودفن فيها سنة 1911.

بدأ صادق باشا رحلته في 15 أبريل/ نيسان سنة 1896، منطلقاً من ميناء اسطنبول على ظهر باخرة فرنسية متجهة إلى مرسيليا، ورجع إلى الأستانة على ظهر باخرة روسية يوم 16 يوليو/ تموز من العام نفسه، وبذلك تكون رحلته إلى الحبشة استمرت ثلاثة أشهر.

وبين هذين التاريخين ووسيلتي النقل، حملته بارجة حربية فرنسية، من بور سعيد إلى سواحل جيبوتي وسفن أخرى استقلها الكاتب قبل ذلك من موانئ في اليونان وإيطاليا ومصر، وقطارات بين دريدوه وهراري، والإسماعيلية والإسكندرية، وعشرات البغال المدرّبة على صعود الجبال الوعرة واختراق الغابات والأدغال الكثيفة، وعبور الأنهار الجارفة في المناطق الأفريقية وصولاً إلى أديس أبابا، وفي طريق العودة منها.


الوثيقة والأدب


دوَّن الكاتبُ وقائع رحلته وما حفلت به من أحداث ومشاهدات يوماً بيوم، وبالتالي فهي تشبه في ترتيبها المذكرات اليومية، ولم يهمل الكاتب يوماً ولم يدوّن فيه ما شاهده وسمعه وقرأه ووقَعَ له، حتى ليخيل إلينا أن الكاتب لا هم له أكبر من تدوين الرحلة. والواقع أن صادق باشا العظم يفصح هنا عن كاتب رحلة محترف، ورحلته هذه تضعه في مصاف كبار كتابها العرب والأجانب، لما يتميّز به من دقَّة في التعبير، وأمانة في النقل، ورهافة في وصف المشاهد، وذكاء في قراءة الظواهر، وبساطة في اللغة، وطلاوة في العبارة، وطرافة في التعليق.

فهو يذكر بعناية كبيرة الأمكنة، ومحطات التوقف، ودرجات الحرارة والمواقيت، كأن يقول مثلاً: “وفي الساعة السادسة وخمس دقائق إفرنجية مررنا بجزيرة كابري قادمين من نابولي”؛ أو: “نحن الآن على ارتقاع 1500 قدم عن سطح البحر”، إلى جانب التقاطاته اللمَّاحة في أمور ومسائل شتى تتصل بالناس والسلوك والعلاقة مع البيئة. وفي كل مكان يحلُّ رحالتنا فيه، تراه يدون مشاهداته وانطباعاته على مستويين أساسيين: أولاً: يوميات البعثة من حل وترحال، واستكشاف للطرق بين المدن والحصون والمواقع، والوقائع اليومية للمسافرين، وما يواجههم من متاعب ومشاق ونجاح وإخفاق ومفارقات خلال السفر.

وثانياً: نقل الصور والمشاهدات والظواهر على خلفية متصلة من حوادث الطبيعة، واختلاف الجو، وتبدل المناظر التي لا تتوقف عن مدّ الرحلة بعالم من الجمال الطبيعي، يسوده اختلاف الطقس بين وادٍ وجبل، وبين ساحل وقفرٍ، وتفاوت المناخ. وهو إلى هذا وذاك يرسم ملامح وصفية للناس تكاد تكون قطعاً أدبية ملهمة، ويورد أخباراً تتعلق بالمكان وحاضره وماضيه استقاها من السكان وتعليقاتهم، كاشفاً عن قدرة كبيرة على شبك خيوط السرد بالوصف والمقارنة، والاسترجاع والتسجيل والتحليل بكثير من الدقّة والسلاسة، تاركاً لنا أن نتتبع ساعة بساعة ويوماً بيوم مسير قافلته في عالم لم نألفه، ولا قبل لنا به.

ومن أول ورقةٍ في الرحلة إلى ختامها، يبدو العظم لنا مشاهداً يتأمل وينصت ويدوّن بسرعة بديهة، وخبرة في الكتابة لافتة، لا يضير صاحبها أن يكشف عن جهله بأمر، مادام في دور المستكشف، أو أن يسخر من خرافة أو مفارقة مادام في وضع من يحتكم إلى العقل. وهو يفعل ذلك بلغة أنيقة مقتصدة وجذابة.


نزعة إنسانية


وتكشف تعليقاته عن نفس ذات نزعة إنسانيةً لا يتناهى إليها تعصب لجنس أو دين أو ثقافة، فنراه لا يكتفي بأن تلفت انتباهه الظواهر والمواقف والحالات الغريبة المفاجئة، بل وحتى الأشياء البسيطة والجميلة المؤثرة. فالمرأة تحت المظلة تتخذ لها في سطوره حضوراً شاعرياً، والأزهار الغريبة تبلغ عينه المتجولة باندهاش، كأن يقول: ” ورأيت وقتئذٍ نوعاً من القرنفل المطبَّق لم تر عيني مثله قط!”. والحق أن العظم يتصرف كعاشق مولع بالنبات.

ولا نكتفي بأن نشير إلى براعته في حياكة النسيج الذي يؤلف الرحلة، بل نشير أيضاً إلى لطف الاستطراد لديه، وخفة الانتقال من موضوع إلى آخر، ومن إيراد حادثة إلى سرد أخرى، من دون حشوٍ ولا إملال.

تكشف تعليقاته عن نفس ذات نزعة إنسانيةً لا يتناهى إليها تعصب لجنس أو دين أو ثقافة

وتكشف هذه الرحلة عن مستوى رفيع من ثقافة صاحبها، فهو لا يهمل، مثلاً، أن يعقد الصلة بين المكان والأدب، ففي طريقه إلى مرسيليا يمر بجزيرة مونت كريستو، إذ ذاك نراه يشير إلى أن الكسندر دوماس اتخذها موضوعاً لأحدى قصصه الشهيرة. وهو أحياناً قليلة نراه يخبر عن نفسه، إنما بموضوعية وتواضع في مناسبة تتعلق بحدث أو مكان، أو تجربة تستدعي خبرة سابقة.


عثمانيون وأوروبيون


وفي ما يتعلق بالآراء والأفكار التي يفصح عنها صاحب الرحلة، فنحن قلّما وجدناه يتناول موضوعه من خارجٍ، أو يستعمل ما يعرض له ليؤكد فكرة مسبقة، أو يروج لموقف.

فهو إذ يثني على مهارة البحارة العرب في الشدائد والملمات وتفضيل الأوروبيين لهم على غيرهم من البحارة، فلكونه رآهم يتصرفون بسرعة بديهة وذكاء فطري وخبرة مديدة، وهو ما يفسر اعتمادهم من قبل البحرية المتصلة بشواطئ الرحلة.

وإذ يمتدح مسلكاً في شخص أو جماعة، فلكونه يرى في ذلك إنصافاً. وعندما يمتدح مسلك القناصل الأوروبيين الذين استضافوه على طول خط الرحلة، فلأنه يرى في هذا مسلكاً تقتضيه اللباقة الدبلوماسي، بصرف النظر عن موقفه الرسمي من الصراع بين الأستانة وأوروبا.

وربما بسبب من دبلوماسية الرجل لم نلاحظ في خطابه أي إفصاح عن موقف خاص من الظاهرة الاستعمارية الغربية في أفريقيا، رغم أن الرحالة يورد معلومات جمة عن أوضاع الإنكليز والفرنسيين والطليان وتحركاتهم في المنطقة يوم ذاك، في ظل الصراعات على النفوذ والثروات، التي كانت دائرة ما بين القوى المذكورة من جهة، وبينها مجتمعة وبين السلطنة العثمانية.

تخطيط: ساي سرحان

يذكر العظم أنه استقى الكثير من المعلومات عن حاضر البلاد وتاريخها وتاريخ الدول والممالك، والحروب الداخلية، والحروب مع الطليان، والأوضاع التجارية، وغيرها، من خلال أشخاص من أبناء الجالية العثمانية من سوريين ومصريين وأرمن وغيرهم، ممن التقاهم هناك أثناء رحلته، سواء في جيبوتي أو في الحبشة نفسها، كنعمان الخوري، سفير فرنسا في الحبشة، الذي زامله في المدرسة في أول نشأته، وانقطع عنه منذ أيام الصبا.

ومن بين هؤلاء، أيضاً، يذكر العظم أخوين سوريين من قرية بيت شباب في لبنان هما اسكندر وبشارة غالب، وكانا في مطلع الثلاثينات من العمر ويشتغلان في التجارة. ويصفهما بأنهما على جانب كبير من الشهرة في البلاد. وقد وضعا نفسيهما في خدمة الوفد السلطاني الذي يرأسه العظم وقدما للأخير معلومات مفيدة عن أحوال البلاد وتجارتها وسياستها.

وفي هذا السياق لا يهمل الرحالة إيراد معلومات مستفيضة عن الأمكنة العامرة بالحركة والنشاط التجاريين، وأطوارها وميزاتها وإمكاناتها وطرق الوصول إليها، كجيبوتي، مرغّبا التجار العثمانيين في الوصول إلى هذه الأمكنة من باب توسيع تجارة السلطنة.

ونراه يورد معلومات مفيدة عن النشاط التجاري عبر البحار على خطوط التجارة القديمة والحديثة، وأبرز القوى البحرية كالروس والإنكليز والفرنسيين والإيطاليين والهولنديين والهنود والعثمانيين والإيرانيين وغيرهم. ويعدد أنواع البضائع التي تمر بميناء جيبوتي، وتلك التي تدخل الحبشة قادمة من أميركا وإنكلترا والبلاد العربية، كأنواع الأقمشة القطنية والحريرية والأجواخ، والآلات والأدوات الحديدية، والبسط العجمية والأوروبية، وأنواع الأسلحة النارية، ومصنوعات الفضة والنحاس، والطنافس التركية، وعطر الورد والبن والملح وأنواع الحبوب، والحصر، وهذه البضائع ترد بواسطة السفن وكلها تعمل تحت العلم العثماني.

أما البضائع التي ترد من الحبشة عن طريق مضيق هرمز فأبرزها، كما يذكر العظم، البن والعاج والذهب الأصفر والشمع العسلي والماشية كالعجول والغنم والماعز وغيرها، وجلود الحيوانات الوحشية، وينشط هناك من الرعايا العثمانيين السوريون واليمنيون والحجازيون والأرمن.


حال المرأة


لم يهمل الرحَّالة خلال وقوفه على الأمكنة تفصيلاً يستلفت انتباهه، مهما كان صغيراً، إلا وتشاكل معه. فهو يصف كل ما راح يقع تحت نظره من بشر أو حيوان أو جماد، مستعرضاً ميزاته، ومعملاً المقارنة بينه وبين نظيره في أمكنة أخرى خبرها.

لا يترك الرحالة أن يبدي دهشته وأسفه لأحوال النساء في تلك البلاد، وللحيف الواقع عليهن من جانب الرجل وثقافة المجتمع المفرط في ذكوريته

من هنا فإن وصفه يمكن أن يشكل وثيقة بالغة الأهمية لما كانت عليه الحال في الحبشة خلال نهاية القرن التاسع عشر. وهكذا تحضر المدن والجبال والقرى والغابات والأنهار بطبيعتها وحيوانها وعمرانها وناسها، والعادات والتقاليد والأزياء، ومظاهر السلوك العام والخاص، والطقوس والعادات الاجتماعية، فلا يترك العظم شاردةً أو واردة، إلا ويصورها، ويتتبع حياة الحيوان وسلوكه، وسلوك الناس نحوه، ويصف الشخصية الوطنية وطبيعة استجاباتها بإزاء الآخر المقيم بين ظهرانيها، أو الغازي الأوروبي القادم من بعيد، وتداعيات هذه الشخصية بإزاء التطور الطارئ على البيئة بفعل الوجود الاستعماري وما حمله معه من مفردات العصرنة.

ولا يتركُ الرحالة أن يبدي دهشته وأسفه لأحوال النساء في تلك البلاد، وللحيف الواقع عليهن من جانب الرجل وثقافة المجتمع المفرط في ذكوريّته، فهو، هنا، على شيء كثير من النباهة في تأمل حال المرأة، والإشارة باستنكار إلى ما يحط من شأنها، ويقلل من مكانتها كمشاركة مبدعة في الوجود ولها كيان خلاق. لكنه لا ينسى أن يثني على همتها ونشاطها وكفاحها اليومي الصامت والسعيد، قياساً خاملات القسطنطينية.

وعندما يصف السيدات الحبشيات، فهو في الوقت الذي يصف جمالهن الأخاذ ويحتفي بسمرتهن ودقَّة أنوفهن وبساطة مسلكهن، وتقشفهن، وانتمائهن الحي والأصيل إلى المكان، وإلى فكرة العمل والإنتاج، يكشف في الوقت نفسه عن وعي رفيع لفكرة الاختلاف الحضاري، فيرى في التصرفات والسلوكات الخاصة بنساء الحبشة ميزات راقية.

والحق أن الموضوعية والأمانة والدقة التي يتحلى بها الكاتب، فضلاً عن الروح الإنسانية المتخفّفة من العقد، تمكن هذه الرحلة من أن تُتخذ كدليل بالغ الجودة بالنسبة إلى الرحالة والمسافرين إلى تلك الأنحاء، وإلى القراء الراغبين في معرفة جغرافية تلك البلاد وأحوالها معرفة لا تنشد إلا نفسها. والمؤلف نفسه أشار إلى ذلك عندما كتب يقول: “رحلتي هذه أكتبها بطريقة تُمَكِّن السائح في تلك البلاد من اتخاذها كدليل له”.

ونحن نضيف، إلى هذا بأنها نص يقدم المعرفة بالمكان وإنسانه أقرب إلى الشمول. فوصف الطبيعة، وعلاقة الإنسان بها يشغل حيزاً بارزاً من اهتمام المؤلف، وهي عنده طبيعة شاعرية أجمل حالاتها عندما تتيح للبشر أن يحضروا من خلال انسجامهم معها، فينقل إلينا حالته وهو ينصت إلى أصوات الطبيعية وحركاتها كأني به شاعراً متمرساً، أو رساماً مرهفاً يرسمُ.

11