الرحيل إلى آتي أيام الشعر الماضية

الخميس 2014/02/20

في هذا الصباح انتبهت إلى أن الصديق الشاعر أدونيس قد اتصل بي هاتفيا من باريس وفي وقت مبكر قليلا على غير عادته، ومع الأسف لم أسمعه بسبب استغراقي في السبات العميق. بعد نهوضي من النوم، الذي أدعوه باستمرار بـ”النسيان المؤقت للوجود”، قمت بمكالمته مباشرة ولكنني بدوري لم أحصل عليه في المرة الأولى، وبعد اتصالين آخرين تناهى إليّ صوته وأخبرني فورا أن صديقه في الحياة وزميلنا المشترك في الشعر، الشاعر اللبناني المعروف أنسي الحاج قد أدركته الوفاة ببيروت فأحسست بسحابة حزن تجتاح أرخبيل قلبي.

نعم، إن وفاة هذا الشاعر والناثر المهمّ في الحركة الشعرية الحداثية العربية خسارة كبيرة تضاف إلى خسارات الثقافة العربية والشعر العربي الكبيرة الأخرى في السنوات الأخيرة لكثير من شعرائنا ومفكرينا البارزين الراحلين عن هذه الدنيا أمثال نزار قباني، ومحمود أمين العالم، ومحمود درويش الذين كانت تربطني بهم علاقات تعارف وصداقة ما فتئت تنمو شجرتها تدريجيا.

وكلما أدركت المنية شاعرا من شعرائنا أو مفكرا من مفكرينا أحسست بالفقدان، وأن العالم العربي قد غزاه اليتم مبكرا.

من غرائب الصدف أنني قمت في الشهر الماضي بإعادة قراءة الأعمال الشعرية المبكرة التي صنعت للشاعر أنسي الحاج شهرته كشاعر من شعراء الحداثة في الثقافة العربية المعاصرة وهي المجموعات الشعرية التالية :1- “لن” الصادرة في عام 1960، و2- “الرأس المقطوع″ الصادرة في 1963، و3- “ماضي الأيام الآتية” 1965. في صدارة مجموعة “لن” نقرأ للشاعر أنسي الحاج مقدمة في شكل مانيفستو شعري لما أصبح يدعى في النقد الأدبي العربي المعاصر بقصيدة النثر التي كان يكتبها هو إلى جانب كتابات زملائه الآخرين المنخرطين في ذلك الوقت في الجلسات الأدبية الأسبوعية كل يوم خميس وفي نشاط مجلة الشعر أمثال الشعراء أدونيس ويوسف الخال وشوقي أبي شقرا ونذير العظمة ومحمد الماغوط وجبرا إبراهيم جبرا وعصام محفوظ وفؤاد رفقة وغيرهم..

قد قيل الكثير من التقريض حول موهبة الشاعر أنسي الحاج حيث أن لغته قد وصفت بأنها لا تتكلم بل تتلعثم وتبرق وترمز وفضلا عن ذلك فإن لغته الشعرية كثيرا ما تدخل في التجريد الأمر الذي يقرّبها من منابع الدهشة وهاويتها.

إن أنسي الحاج لم يكتب قصيدة النثر وكفى، وإنما نجد لديه رؤى وتبصيرات لما ينبغي أن يكون عليه الشعر وخاصة قصيدة النثر المنزوعة السلاح، وأعني بذلك سلاح الموسيقى الخارجية للقصيدة العربية التقليدية الموروثة، وموسيقى قصيدة التفعيلة. إنه بسبب هذا تصبح كتابة قصيدة النثر صعبة مثل صعوبة ترويض الحصان البرّي الذي يقاوم حديد اللجام. بالنسبة إلى الشاعر أنسي الحاج فإن كتابة قصيدة النثر هي دخول في تاريخ جديد للغة وللنفس والثقافة، وهو بهذا الخصوص يعني اصطياد أسباب النهضة: “نهضة العقل والحس والوجدان”. في هذا الصدد كتب مبرزا أن الطريق المؤدية إلى هذا النوع من النهضة مثلثة الأضلاع محفوفة بكثير من العقبات منها عقبة القارئ الرجعي الذي يقيم تحالفا مصيريا مع البنية الثقافية الرجعية. هكذا يلاحظ أنسي الحاج أن هناك “إنسانا عربيا غالبا يرفض النهضة والتحرّر النفسي والفكري…”.

رغم اعتناقه لقصيدة النثر فإنه يحذر أن تتحوّل بدورها إلى قالب دغمائي وإلى وثن يعبد “لا نهرب من القوالب الجاهزة لنجهز قوالب أخرى، ولا ننعى التصنيف الجامد لنقع بدورنا فيه”.

الشعراء لا يرحلون، أي لا يموتون وإنما يغيّرون مواقع إقامتهم فقط. وهكذا فإن أنسي الحاج قد غيّر موقعه ببيروت ليقيم في ما يأتي من بروق قصائده التي كتبها في ماضي أيامه.

15