الرداءة المفيدة

الجمعة 2017/11/10

يعتقد كثيرون أن الظروف الصعبة التي تمر بها الأمم والانحطاط الهائل في جوانب كثيرة من حياتها، سواء أمنيا أو اجتماعيا أو اقتصاديا، ستجبر عجلات المعرفة التي تنتجها هذه الأمم على التوقف عن الدوران. لكن هذا غير صحيح.

المنتج المعرفي مستمر ومتواصل ببقاء تلك التجمعات البشرية أينما رحلت وحلت وكيفما عاشت، سواء كانت سعيدة أو تعيسة، وباستمراره تستمر عوامل كبرى لها أدوارها الهامة والحساسة والكبيرة.

وحين ينحط المستوى الفني لدرجة إنتاج أغان أو أفلام أو كتب هابطة، فلن يكون هذا خبرا سيئا بمجمله. بل إن فيه جانبا إيجابيا يتمثل في كون المنتج بلغة تلك الأمة، وهذا ضخ جديد لها وللناطقين بها يتحدث عن أرض تلك الأمة وعن مشاعر أهلها.

وإلى جوار تلك الرداءة التي تنتجها شعوب محطمة الآمال والمصائر، تكمن المقارنة ما بين هذه الجودة والجودة المرجوّة، وهذا بحد ذاته محرّضٌ استفزازي كاف لإعادة توليد الوعي من جديد.

وحتى الكاتب والمفكر العربي الكبير طه حسين المتشدد لناحية الثقافة الرفيعة، لم يسلم من إغواء الرداءة. إذ يقال إن عميد الأدب العربي كان لا يحترم الزجل، وهو الأعمى الذي سخر منه شيوخ الأزهر ورفضوا تفكيره ومطالبته بالحوار حين كان طالبا ثم حين أصبح وزيرا للمعارف.

كان طه حسين في زيارة إلى لبنان، ملعب الزجل والشعر الشعبي المغنّى. فقرر اللبنانيون إيصال فكرتهم إليه بدهاء ولطف. فدعوه إلى حفلة ساهرة.

قادت سوزان بريسو زوجها طه بيده إلى الحفل، فنهض الشاعر أسعد الخوري الفغالي على الفور وقال “أهلا وسهلا بطه حسينْ/ ربّي أعطاني عينينْ/ العين الوحدة بتكفيني/خدلكْ عينْ وخلي عينْ”. فابتسم طه حسين، ولكن فجأة قام زجال آخر يدعى علي الحاج فقال “أهلا وسهلا بطه حسينْ/ بيلزم لك عينين تنينْ/ تكرم شحرور الوادي/ منك عين ومني عينْ”. فابتسم طه حسين مجددا، ابتسامة ماكرة.

فارتفعت من بعيد صرخة لأنيس روحانا الذي قال “لا تقبلْ يا طه حسينْ/ من كل واحد تاخد عينْ/ بقدّم لكْ جوز عيوني/ هدية لا قرضة ولا دينْ” فضحك أخيرا طه حسين. لكن اللبنانيين لم يكتفوا، فقام شاعر رابع اسمه طانيوس عبده، وقال “ما بيلزملو طه حسينْ/عينْ ولا أكتر من عينْ/ الله اختصه بعين العقلْ/ بيقشع فيها عالمَيلينْ” ويقشع أي يبصر ويرى على الجانبين.

اشتعلت القاعة بالتصفيق، وأدرك طه حسين أن العامية والرداءة أحيانا ضرورة في زمن سيعود فيه صناع المعرفة الكبار لإنتاج الأفضل وإن طال الزمن. لكن طه حسين كان يسمع فقط، ولم يكن يرى ولعله بذلك كان محظوظا أكثر منا.

24