الردود على اعتداءات الاحتلال الإسرائيلي بين التصعيد الشعبي والتهدئة الرسمية

الثلاثاء 2014/07/08
المواجهات العنيفة بين الفلسطينيين الغاضبين والجيش الإسرائيلي تمتد إلى أنحاء واسعة في القدس

القدس ـ أماطت الأحداث الأخيرة في فلسطين، والمتمثلة في خطف ثلاثة مستوطنين إسرائيليين في مستوطنة “غوش عتصيون” جنوب الضفة الغربية المحتلة، اللثام عن خلافات حادة بين قيادات منظمة التحرير الفلسطينية، وكشفت عن تضارب عميق نسبيا في التصورات للأحداث وكيفية التعاطي مع ردة الفعل الإسرائيلية تجاه قضية الخطف، خاصة وأن المخطوفين الثلاثة قد وجدوا مقتولين بعد أيام من خطفهم دون أن تتبنى أي جهة المسؤولية عن ذلك، مما أثار عديد التساؤلات حول النوايا من وراء العملية.

ومن جانب آخر، يرى مراقبون أن الوقت قد حان داخل الفلسطينيين أنفسهم “لاتباع موجات الحراك العربي” الأخيرة والخروج إلى الشوارع والمطالبة بإصلاحات عميقة داخل ديناميكية عمل السلطة الفلسطينية ولتحقيق مكاسب ميدانية في مستوى تحرير الأراضي المحتلة والانتهاء من موضوع الأسرى والعودة والقدس كعاصمة للفلسطينيين.

وقد أثبتت عملية الاختطاف الأخيرة وردود الفعل الإسرائيلية عليها أن هناك تباينات في رؤى قيادات منظمة التحرير، إذ يرى البعض أن “تغييرا ما يجب أن يحدث” على مستوى السلطة الفلسطينية وأن تكون أكثر قوة وتماسكا ومردودية في حل الإشكالات الفلسطينية “وإلا انتهى الوضع إلى انفجار بركاني كبير” من قبل الشباب الفلسطيني الذي يريد وقف الاعتداءات الإسرائيلية اليومية عليه.

ومن أبرز قادة هذا الرأي نجد القيادي في المجلس الثوري للمنظمة قدورة فارس. وفي المقابل توجد دعوات من السلطة إلى التهدئة وعدم “التهور” والتصعيد نظرا إلى ضعف الفلسطينيين وعدم قدرتهم على مواجهة الآلة العسكرية الإسرائيلية، وقد تبنى هذا الموقف الرئيس الفلسطيني محمود عباس.


الشعب لن يستسلم والسلطة فاشلة


قال القيادي في حركة فتح قدورة فارس، إن السلطة على فوهة بركان سينفجر إذا ما استمر الوضع القائم على ما هو عليه، نتيجة الجمود السياسي وحالة الاقتصاد السيئة والتنكيل اليومي بالشعب الفلسطيني من قبل الاحتلال وتدهور أوضاع الأسرى.

قدورة فارس: سياسي فلسطيني وعضو المجلس الثوري لحركة فتح ورئيس لجنة التفاوض حول ملف الأسرى سابقا ويترأس نادي الأسير، ولد بمدينة سلواد وسط الضفة الغربية

وأضاف فارس متحدثا عن أداء السلطة الفلسطينية إزاء الأحداث الأخيرة المتمثلة في إيجاد جثث المستوطنين الثلاثة المختطفين، “إن بقاء السلطة على ما هي عليه وعدم تصديها لكل أساليب التنكيل التي يقوم بها جيش الاحتلال سيؤديان إلى انفجار الأوضاع”، في إشارة إلى سياسة العقاب الجماعي التي تنتهجها قوات الاحتلال.

وتابع فارس منتقدا الأطراف السياسية الفلسطينية ومكونات منظمة التحرير، “إزاء انسداد الأفق في ظل العدوان الإسرائيلي على الشعب الفلسطيني، في مقدمتها الاستيطان وما تتعرض له القدس، وعدم قدرة القيادات على إيجاد أمل للناس، وفي ظل إلغاء كل بنود اتفاق أوسلو باستثناء جانب واحد هو التنسيق الأمني، فإن الأمر قد أصبح خطيرا”.

وعن انسداد الأفق الدولي أمام إيجاد سبل لحل يساوي بين جميع الأطراف وله انعكاسات مادية وواقعية ملموسة، يؤكد قدورة فارس أن أميركا قد تراجعت خطوات إلى الوراء إزاء تعهداتها التي التزمت بها مع الفلسطينيين، خاصة في ما يتعلق بوقف المد الاستيطاني، قائلا “إن إدارة الظهر من قبل الإدارة الأميركية لملف الصراع الفلسطيني الإسرائيلي وانشغالها بقضايا أخرى واستقالة مارتن انديك بالأمس تعد مؤشرا على إدارة الظهر للصراع، كما أن وجود حكومة يمينية متطرفة في إسرائيل، تضعنا جميعا على فوهة بركان”.

وفي إشارة إلى كلمة محمود عباس التي قال فيها “إن الانتفاضة التي سبقت كانت فوضى، ولن نعود إلى انتفاضة تدمرنا”، قال قدورة فارس إن”الشعب الفلسطيني لن يرفع الراية البيضاء، ولن يستسلم للاحتلال ولن ينظر إلى الاحتلال على أنه قدر محتوم، بل سيواصل الشعب نضاله ضد الاحتلال، ولذلك فإن حالة الاحتقان القائمة إن لم تجد مخارج وينتج عنها أفق سياسي يترتب عليه إنتاج آمال للناس كي يعيشوا ويفكروا بمستقبل أفضل، ستضع الأمور والسلطة على فوهة بركان”. وقد بين انتقاده هذا إلى السلطة مشيرا إلى أنها عجزت إلى حد الآن عن تحقيق منجزات ميدانية لإيقاف الاستيطان وحماية الفلسطينيين.

وتعليقا على الهجوم الأخير لبعض الشباب الفلسطيني الغاضب على مقر للشرطة في رام الله أخيرا، أكد فارس أنه من الطبيعي أن تحصل مثل هذه الأحداث نتيجة الغضب المتصاعد على ما تقوم به السلطة الفلسطينية من تعاط سلبي مع الأحداث وتعامل “قاس” مع الشباب، مضيفا أن “التعامل مع الشبان بطريقة سطحية واعتبارهم فوضويين وخارجين عن القانون لا يكفي، من غير المسموح المساس بمؤسسات السلطة الفلسطينية ومن غير المسموح أن يتطاول فلسطيني على آخر لأن هذا تحريف لبوصلة النضال، ولكن المسؤولين، وهم الأكثر نضجا، يجب أن تكون تشخيصهم أكثر عمقا، وألا يعتقدوا أن بعضا من الشباب تحولوا إلى أعداء للسلطة، بل عليهم أن يقرؤوا رسالة الشباب”.

وعن سؤال “إلى أين تتجه القضية الفلسطينية في ظل المعطيات الحالية؟”، خاصة أن هناك بوادر لتحريك بعض الفصائل المقاومة في جهات مختلفة من القطاع والضفة، قال فارس: “هذا هو السؤال الكبير الذي يجب أن تجيب عنه الحركة الوطنية الفلسطينية بكل أطيافها، النقاش الآن منصب بطريقة سطحية أيضا على المصالحة التي تعني أن نتصالح كفلسطينيين على برنامج كفاحي وسياسي تلتئم تحته كل أطياف القوى السياسية والشعب الفلسطيني بما فيهم حماس والجهاد الإسلامي، لا أن ننشغل بموضوع حكومة، وتفاصيلها” وذلك في إشارة إلى الارتباك الحاصل في الحكومة نتيجة خلافات حول أسماء وزارية.


ننسق مع الإسرائيليين والانتفاضة فوضى

محمود عباس: قيادي في حركة فتح ويشغل منصب رئيس اللجنة التنفيذية في منظمة التحرير الفلسطينية منذ وفاة ياسر عرفات. ولد بمدينة صفد بالجليل سنة 1948


أعلن رئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس في تصريحات متتالية أعقبت عملية خطف المستوطنين الثلاثة في الضفة الغربية أن “السلطة الفلسطينية متماسكة ولا تحوي خلافات جوهرية بداخلها خاصة بعد إجراء المصالحة الفلسطينية الشاملة”، وذلك في رده على قيادات من فتح قريبة من دوائر السطلة تتحدث عن “أزمة داخل السلطة” بدأت انعكاساتها تظهر في الشارع الفلسطيني في مظاهر غضب واحتجاج على ما يتعرض له الفلسطينيون من اعتداءات متكررة من الاحتلال الإسرائيلي.

وعن الانتقادات الحادة التي وجهت إلى الرئيس الفلسطيني محمود عباس عقب تصريحاته في مؤتمر منظمة التعاون الإسلامي في جدة والتي أكد فيها أن التعاون بين الفلسطينيين والإسرائيليين في المجال الأمني هو “حصيلة اتفاقات سابقة بين الجانبين”، أجاب عباس أن ذلك يخدم الفلسطينيين ويحميهم، قائلا: “هناك من يلومنا على التنسيق الأمني بيننا وبين الإسرائيليين، أقول إن هذا من مصلحتنا، وذلك حتى نحمي أنفسنا وشعبنا وألا نعود إلى الفوضى كما حصل في الانتفاضة الثانية، وأنا أقول هذا بمنتهى الوضوح والصراحة: “لن نعود إلى انتفاضة تدمرنا” ولذلك هناك تنسيق أمني”.

وفي سياق مسألة اختطاف المستوطنين الثلاثة والتنسيق الأمني بين الجانبين الفلسطيني والإسرائيلي، قال محمود عباس إن سلطاته ساعدت العناصر الإسرائيلية على البحث في مناطق مختلفة داخل الضفة لمحاولة إيجاد المخطوفين، وهو ما يؤكد التنسيق الفعلي بين عباس ونتنياهو في الموضوع الأمني، مضيفا: “أما بالنسبة إلى الحكومة الإسرائيلية فهي تصعد كثيرا، والسبب أن هناك ثلاثة من الشبان الإسرائيليين اختطفوا في مكان ما بجانب إحدى المستوطنات وبطبيعة الحال وجودهم في أراض لسنا مسؤولين عن أمنها وهي المناطق “س” ورغم أنهم لم يبلغونا بالحادث حينما حصل وإنما بعد ذلك بأكثر من 12 ساعة، ومع ذلك نحن نسقنا معهم من أجل الوصول إلى هؤلاء الشباب، لأنهم وقبل كل شيء، بشر ونحن نريد أن نحمي أرواح البشر”.

وقد انتقد الرئيس الفلسطيني محمود عباس أبو مازن عملية الاختطاف وقتل المستوطنين الثلاثة، مؤكدا أنها عملية متهورة ولا تخدم حاجة الفلسطينيين إلى الاستقرار، حسب تعبيره، متوقعا ردا إسرائيليا عنيفا على كافة الفلسطينيين، مشيرا إلى أن السلطات الإسرائيلية سوف “تنتقم” من الجميع، قائلا: “لقد وجدها رئيس الوزراء فرصة مناسبة ليبطش بنا ويدمر كل شيء ويعيث في الأرض فسادا وخاصة في منطقة الخليل، وفي الوقت نفسه يحملنا المسؤولية كاملة عن هذا الحادث. وفي كل حال نحن لسنا في سجال معه، فنحن نبحث أيضا عن حل لهذا الإشكال”.

وفي جملة اعتبرها البعض تلميحا إلى أن المخابرات الإسرائيلية ذاتها هي التي قامت بعملية الاختطاف لإيجاد تعلات للتخلص من الالتزامات المتفق عليها، تساءل محمود عباس :”من قام بهذا العمل”؟، ثم أجاب قائلا: “في الحقيقة أرى أن من قام بهذا العمل يريد أن يدمرنا ولذلك سيكون لنا معه حديث آخر وموقف آخر أيا كان من قام بهذه العملية، لأننا لا نستطيع أن نحتمل مثل هذه العمليات ولا نستطيع أن نواجه قوة إسرائيل وبطشها عسكريا أو غير عسكري”.

وقد أصدرت الرئاسة الفلسطينية بيانا في وقت سبق حذرت فيه مما أسمته “سياسة العقاب الجماعي” التي تتبعها إسرائيل ورأت أن إعادة اعتقال الأسرى المحررين تعد خرقا سافرا لاتفاق تحريرهم. كما ندد عباس بالخاطفين وتعهد بمعاقبة المسؤولين عن الخطف قائلا إن “إسرائيل وجدت فرصة من خلال خطف هؤلاء الشباب لتعيث في الأرض فسادا، لذلك كل ما تلاحظونه من خراب وقتل واعتقالات هو بتعلة البحث عن هؤلاء، ونحن حقيقة نتمنى أن يجدوهم أحياء لأننا بشر وإنسانيون ‘ولا نطخ بالدم البارد”.


ردود متوحشة من مستوطنين إسرائيليين تودي بحياة طفل فلسطيني حرقا


فتحت تعزيزات الجيش الإسرائيلي، بما فيها إرسال قوات مدرعة إلى محيط قطاع غزة تحسبا لاحتمال تصاعد الأوضاع الأمنية وجريمة تعذيب وإحراق الفتى الفلسطيني محمد أبو خضير البالغ من العمر 17 سنة على أيدي مستوطنين متطرفين في القدس، الباب لتصعيد كبير في الضفة الغربية وقطاع غزة.

إذ تمددت المواجهات العنيفة بين الفلسطينيين الغاضبين والجيش الإسرائيلي إلى أنحاء واسعة في مدنية القدس، وتركزت في مخيم شعفاط لأيام، وأدت إلى إصابة أكثر 250 فلسطينيا، فيما قصفت فصائل فلسطينية مدينة سديروت الإسرائيلية القريبة من غزة بعدة صواريخ أصابت سيارات، ردت بعدها قوات الاحتلال بسلسلة غارات، وتعزيزات عسكرية على الحدود. وهيمنت حادثة اختطاف وحرق الفتى “أبو خضير” حتى الموت على اجتماعات القيادتين الفلسطينية والإسرائيلية وحازت على إدانات دولية، أجبرت السلطات الإسرائيلية على الاعتراف بخطورتها ولا إنسانيتها.

وقد اتصل الرئيس الفلسطيني محمود عباس بوالد الفتى، حسين أبو خضير، وعزاه في فاجعته بابنه وتعهد له بمتابعة الأمر حتى النهاية. بينما اعتقلت الشرطة الإسرائيليين المشتبهين بتعذيب وقتل الفتى الفلسطيني بعد أوامر مباشرة من رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو الذي كان وصف العملية بـالشنيعة.

وقال حسين أبو خضير والد الشهيد محمد متحدثا عن الحادث الأليم، بينما كان جثمان ابنه في معهد الطب العدلي في أبو كبير يخضع للتشريح، إنه لا ينتظر سوى خروج الاحتلال من القدس وفلسطين.

وكان الجيش الإسرائيلي قد هاجم فورا منزلي الشابين عامر أبو عيشة ومروان القواسمي، المتهمين بقتل 3 مستوطنين في الخليل، وهدم منازلهم ضمن حملة انتقامية ضد المشتبه فيهما وقد تجاوزت قواته ذلك لتدخل في سياسة العقاب الجماعي لكافة الفلسطينيين.

وبالعودة إلى أطوار اختطاف الطفل الفلسطيني محمد أبو خذير، كان ثلاثة مستوطنين في سيارة مارة بالقرب من منزل “أبو خضير”، اختطفوه فجرا ونكلوا به ومن ثم أحرقوه حتى الموت في حادثة هزت المجتمع الفلسطيني، تجددت على إثرها مواجهات عنيفة في مخيم شعفاط حيث يسكن “أبو خضير”.

ولجأ الفلسطينيون إلى تشكيل لجان حماية شعبية في القدس ومناطق أخرى في الضفة الغربية على تماس مع المستوطنات لحماية المواطنين والممتلكات من هجمة انتقامية أطلقها المستوطنون عقب العثور على جثث 3 منهم مدفونة في جنوب الضفة الغربية.

وفي حادث آخر يندرج في إطار الانتقام العشوائي وغير المبرر، دهس مستوطنون فتاة قرب بيت لحم وحاولوا اختطاف فتيان في مناطق مختلفة أكثر من مرة قبل أن يتمكنوا من اختطاف “أبو خضير” وتتالت محاولات أخرى بعده. وتطلب عائلة “أبو خضير” إقرارا رسميا إسرائيليا بأن قتله والتمثيل بجثته وإحراقها كان على خلفية عنصرية متطرفة تنم فعلا عن عقلية احتلال وانتقام غير إنسانية. كما حملت العائلة أجهزة الأمن الإسرائيلي مسؤولية تداعيات ونتائج تأخير تسليم الجثمان، مؤكدة أنها لن تقيم جنازته في ساعات الليل لضمان ترتيب جنازة مهيبة تليق به.

12