الرد الإماراتي على مندوب ليبيا في مجلس الأمن.. وما حوله

إخوان ليبيا لا يتركون فرصة تمر دون محاولتهم الزج باسم دولة الإمارات في الصراع القائم داخل بلادهم.
الخميس 2020/06/04
الناطق الإخواني

جاء الرد الإماراتي على التصريحات السلبية والخاطئة لمندوب حكومة الوفاق الليبية في الأمم المتحدة، ليقطع مع مرحلة من الصمت الطويل على الاتهامات الباطلة التي تستهدفها من قبل سلطات طرابلس وسفيرها في المنتظم الأممي، وهي اتهامات تهدف إلى "تشتيت الانتباه عن عمليات تركيا الخطيرة في ليبيا" وفق نص الرد.

لقد اعتادت منظومة الحكم التي تدار في طرابلس من قبل جماعة الإخوان والدائرين من فلكها، في تحد سافر لإرادة الشعب الليبي، على أن تطلق مواقفها العدائية المرسلة نحو دول الاعتدال العربي كمصر والسعودية، ولكنها عادة ما تضع الإمارات في مقدمة أهدافها، تماشيا مع الحملات التي يتزعمها الإخوان وشركائهم من داخل غرف العمليات القطرية والتركية التي تعتبر الموقف الإماراتي عقبة كأداء تقف في وجه تنفيذ مخططها التخريبي في المنطقة والذي أنطلق منذ عقدين من الزمن، وتحول إلى واقع ملموس منذ العام 2011 من خلال استهداف مفهوم الدولة الوطنية وضرب مؤسساتها السيادية وتفكيك المجتمعات والدفع بالشعوب نحو الاقتتال الأهلي لاستغلال ذلك في السيطرة على السلطة والثروة والسلاح.

ويبدو أن الحركات الإخوانية باتت تستغل مزاعمها وادعاءاتها ضد الإمارات في ابتزاز الممول القطري والاستقواء بالذراع التركية، حيث لا تجد ما تبرر به خيباتها السياسية وعزلتها الشعبية وفشل مشاريعها سواء كانت في الحكم أو خارجه، إلا بالدور الإماراتي، وذلك ضمن حرب نفسية وإعلامية تقودها منذ سنوات أجهزة خاصة وجيوش إلكترونية ومراكز دراسات وجمعيات تدعي الحياد وهي غارقة في المال القطري وامتيازات الخليفة التركي المزعوم.

كما أن النموذج الإماراتي أضحى يمثل صداعا لا يفارق رؤوس الإخوان، وحمى تؤرقهم ليل ونهار، كونه النموذج النقيض لنموذجهم الذي يعدون به، والذي برزت معالمه في البلدان التي وصلوا إلى حكمها، ومنها ليبيا الدولة التي يحاول المحور القطري التركي الإخواني السيطرة عليها موقعا ومجتمعا ومقدرات، سواء من خلال سنوات تمويل الإرهاب، أو من خلال الغزو التركي المعلن، بهدف إنقاذ الميلشيات الخارجة عن القانون والجماعات الإرهابية الناشطة في ظل حكومة الوفاق الفاقدة للشرعية الشعبية والدستورية والبرلمانية والتي لا تزال تعيش على شرعية الأمر الواقع اعتمادا على اتفاق الصخيرات الذي خرقت كل بنوده سواء من حيث مدة عهدتها أو تركيبة مجلسها الرئاسي وضرورة اتخاذ قراراته بإجماع أعضائها، أو من حيث حتمية خضوعها للبرلمان ونيل تزكيته وتنفيذ الترتيبات الأمنية وتقديم الخدمات للمجتمع، وكذلك من حيث ضرورة الحفاظ على سيادة الدولة لا التفريط فيها كما حدث مؤخرا عندما فتحت أراضي البلاد لاستقبال الغزاة الأتراك والمرتزقة السوريين والأجانب لمواجهة الجيش الوطني الذي يحظى بشرعية مجلس النواب المنتخب ويعبر عن إرادة الشعب الليبي.

إن تصريحات مسؤولي الوفاق ومنهم وزير الخارجية محمد سيالة ومندوبهم في الأمم المتحدة طاهر السني كذلك خالد المشري رئيس مجلس الدولة المشكل وفق اتفاق الصخيرات لإعادة تدوير الإسلام السياسي المهزوم في انتخابات 2014، وعموم قيادات الإخوان والجماعة المقاتلة وقادة الميليشيات وأمراء الحرب المورطين في جرائم القتل والنهب والسلب والتخريب الممنهج، وما يصدر عن أبواقهم الممولة من قطر والمستوطنة في إسطنبول التركية. لا تخرج عن دائرة الحرب الإعلامية التي تستهدف دولة الإمارات ورموزها، اعتمادا على أكاذيب يتم ترويجها انطلاقا من تقارير مفبركة سواء من قبل خبراء متحاملين بسبب انتماءاتهم الإيديولوجية والحزبية أو مصالحهم المالية والوظيفية، أو مراكز دراسات ممولة من المحور الإخواني، ثم تصعيدها إلى مرتبة الحدث في وسائل إعلامهم الموجهة، وتحويلها إلى مبرر للتدخل القطري والتركي، وكذلك للعبث بعقول أنصارهم.

لا يترك إخوان ليبيا فرصة تمر دون محاولتهم الزج باسم دولة الإمارات في الصراع القائم داخل بلادهم، فكل طائرة تابعة للجيش الوطني تقصف مواقع ميليشيات المرتزقة والإرهابيين هي طائرة إماراتية، وكل صوت ينتقد التدخل التركي الذي تحول إلى غزو سافر، هو صوت مرتبط بالإمارات، وكل موقف دولي مندد بالانتهاكات الميليشياوية المتعمدة في حق المدنيين، تقف وراءه الإمارات، وكل من يرفض مشروعهم أو لا يتجاوب مع أجنداتهم هو تابع للإمارات، وعندما يتقدم الجيش في الميدان، إنما يتقدم بخبرة وتخطيط الإماراتيين، فإذا ذكروا قاعدة الوطية في المنطقة الغربية قالوا إن بها ضباط إماراتيون، وإذا تحدثوا عن شرق البلاد، أكدوا أن به قاعدة إماراتية، وإذا رغبوا في التغطية على جحافل المرتزقة المتقدمين من شمال سوريا عبر الوسيط التركي، زعموا أن الإمارات تجلب مرتزقة روسا وسودانيين لدعم ما يسمونها بقوات حفتر.

إن هذه الحرب الإخوانية المعلنة لا تستهدف الإمارات كدولة وقيادة فقط وإنما كنموذج حضاري وسطي معتدل متسامح منفتح على العالم ومدافع عن قيم الخير والسلام ورافض لثقافة التكفير والتنفير والإرهاب والتطرف والكراهية، وكذلك دول الاعتدال العربي، وكل القوى السياسية والاجتماعية والثقافية الرافضة لمشروع الإسلام السياسي في المنطقة العربية والعالم وحيث كلما خرج على الناس صوت يكشف عن مؤامرات الإخوان وعرابيهم، تسابقت الأبواق المعادية لاتهامه بأنه يتلقى الأوامر والدعم من الإمارات، وقد رأينا ذلك في دول عدة كتونس وليبيا والعراق واليمن ولبنان والسودان وغيرها.

ولهذا السبب أكد وزير الدولة الإماراتي للشؤون الخارجية أنور قرقاش مؤخرا أن "بناء تكتل عربي ينظر إلى الاستقرار والتقدم كأساس للمنطقة ومستقبلها تواجهه هجمة إقليمية شرسة للتدخل في الشؤون العربية، يساعدها الضعيف والمهمش والمؤدلج"، وتلك الهجمة التي تستهدف وفق المسؤول الإماراتي كلا من بلاده والسعودية ومصر، تدخل ضمن مشروع تديره قطر وتركيا وتساهم فيه قوى إسلاموية وأخرى يسارية انتهازية تعمل تحت عناوين ثورية راديكالية، وبعض مراكز البيروقراطية الطامحة لضمان مصالحها مع التيار الإخواني الزاحف على السلطة، إضافة إلى لوبيات سياسية واقتصادية وإعلامية في عواصم عدة بما فيها عواصم الغرب تجد في التمويلات القطرية السخية وفي الهبات المقدمة من الإمبراطورية الاقتصادية للإخوان والمنظمات التابعة لها دوافع لبيع الخدمات.

يدرك الليبيون أن تقارير وبيانات وتصريحات مندوب حكومة السراج في الأمم المتحدة تعد خصيصا بالتنسيق مع المندوب القطري وتعرض على حزب العدالة والبناء الإخواني قبل عرضها على خارجية الوفاق، وأن هذا المندوب سبق وأن تم رفضه من البرلمان المنتخب، ولكنه يستمد قوته حاليا من التصعيد المباشر ضد الإمارات، وبالتبعية المفضوحة لمواقف أنقرة والدوحة.

إن مشكلة إخوان ليبيا أنهم أقلية بلا حضور شعبي، وقد عرف الملك إدريس السنوسي عقيدتهم الفاسدة فمنعهم من التنظم والنشاط في العام 1954، وسار القذافي على نهجه في العام 1973، وبعد 2011 حاولوا أن يسيطروا على الدولة، ففشلوا، وبعد هزيمتهم الانتخابية في العام 2014 انقلبوا على النتائج بمنظومة فجر ليبيا، وعندما أطلق الجيش عملية الكرامة لمقاومة إرهاب تنظيم القاعدة في شرق البلاد قبل ست سنوات، اندفعوا لدعم الإرهابيين، تنفيذا لمخطط تركيا وقطر، وعندما اقترب الجيش من تحرير طرابلس من الميلشيات استدعوا الاحتلال التركي، وعندما تتقدم دول الاعتدال العربي لمساندة الجيش الوطني المعبرة عن إرادة الشعب، يعتبر الإخوان ذلك مؤامرة ضدهم.

وبدل الاعتراف بفشلهم وفشل مشروعهم وعجزهم عن إخراج البلاد من الفوضى التي ساهموا بدور كبير في تكريسها، وللتظاهر بأنهم ضحايا، يضعون الإمارات في مقدمة أهدافهم، ومعها مصر والسعودية، مدرعين بالتحالف التركي القطري الإرهابي الذي لم يعد خافيا ما يمثله من خطر حقيقي ليس على ليبيا فقط، وإنما على العرب والعروبة جميعا.