الرد على تركي الحمد: نعم هي أزمة فكر لكن فكر من؟

السبت 2014/08/23

نظرا للجدل الذي أثاره مقال الدكتور تركي الحمد الذي نُشر في 17 أغسطس 2014، في العدد 9651، في الصفحة (6)، فإن 'العرب' تترك المجال للتفاعل مع ما ورد في المقال المذكور، إيمانا منها بمبدأ حرية الرأي وضرورة تنشيط السجال.

*******************

هل فكر داعش وفكر الدكتور تركي الحمد وجهان لـ”أزمة” واحدة؟ هذا هو السؤال الذي تبادر إلى ذهني عند قراءة مقال الدكتور تركي الحمد “إنها أزمة فكر لا أزمة فعل يا خادم الحرمين”، المنشور في صحيفة العرب في 17 أغسطس 2014.

كل من له علاقة بالفكر الإسلامي والدعوة يعرف عبارة “جاهلية القرن العشرين”، ويدرك بشكل أو بآخر مصطلح “الجاهلية” المعاصر- لا القديم- الذي روّج له سيد قطب وأنصاره، وصار يمثل منظارا تفسيريا للحياة ولسلوك المجتمع لدى كثير من المنتسبين إلى الدعوة، ثم أصبح بعد ذلك أو أصبحت بعض تفسيراته مكونا رئيسا من مكونات الفكر التكفيري.

وفيما أرى أن تركي الحمد في مقاله “إنها أزمة فكر لا أزمة فعل يا خادم الحرمين” لا يعدو أن يطرح المفهوم ذاته لكن من منطلق مختلف. فهو يرى- حسب ما ظهر من مقاله، كما سيأتي بيانه- أن الأمة، بمنهجها الذي يسير عليه علماؤها، في “جاهلية” ولم تهتد إلى “حقيقة الإسلام”.

عند النظر إلى حقائق الأمور وجوهرها، نرى ذات المنطق وذات الفكر وذات التطرف، وإن اختلف الموضوع، ولن أتعجب لو رأيت يوما كتابا للدكتور الحمد بعنوان “جاهلية القرن الواحد والعشرين” بل ربما سأبتسم وأقول: من عيّر أخاه بذنب لم يمت حتى يفعله.

الدكتور الحمد يريد أن يلغي اجتهاد العلماء لقرون وإجماعاتهم، ويريد فرض رؤيته، ويضلل ما سواها، ويرى أنها تضيع حقيقة الإسلام. وهو يرى أن رؤية المشايخ تعيق تطبيق رؤيته. وما الذي يفعله الداعشيون إلا هذا. كل ما في الأمر أنه تأدب مع المشايخ- في اللفظ- ولم يستخدم لغة الداعشيين في وصفهم للعلماء.

الدكتور الحمد يسلك نفس منهج الخوارج- وداعش خاصة- في اجتزاء النصوص التي تؤيده، وإغفال بقية النصوص، دون السير على أسس منهجية محددة وواضحة للاستنباط. كل ما في الأمر أن داعش تريد أن توظف النصوص التي تختارها لتسويغ أحكام العنف والقتل، بينما الدكتور الحمد يوظف النصوص التي يختارها وينتزعها لبناء إسلام فوضوي باهت غير واضح المعالم. فالمنهج متقارب لكن المقاصد تختلف.

كما أن الدكتور الحمد يسير على منهج الدواعش في الفتوى والقول على الله بغير علم. فلم يُعرف عنه أنه درس علم الشريعة (وهو لا يدعي هذا). وإذا كان من صفات الخوارج نقص العلم الشرعي فإن الدكتور الحمد يشاركهم في هذا، وأسوق أمثلة من مقالته هذه تبين أنه- محاكيا منهج الدواعش- يتعرض لقضايا لا يمتلك آلة البحث والنقاش فيها ولم يتأهل لها. فهو يقول مثلا إن الله في كل مكان، وهذه مخالفة عقدية حسب عقيدة أهل السنة. كما أنه يقول إن الله يحفظ هذا الدين إلى يوم يبعثون! ولم يرد نص بهذا ولا قال به أحد من العلماء، بل إن الذي ورد أنه لا تزال طائفة من الأمة قائمة بالدين حتى يأتي أمر الله قبل قيام الساعة، حيث أن الساعة تقوم على شرار الخلق.

والغريب أن الدكتور الحمد فسّر حفظ الله لهذا الدين بتفسير ميتافيزيقي. فهل يمكن أن يكون حفظ هذا الدين إلا من خلال العلماء الذين يقومون به ويحفظونه. ولا أظن الدكتور الحمد يعتقد بالكرامات هنا.

كذلك من عجائب الدكتور الحمد، والتي أظنه لم يسبق لها وتدل على مبلغ علمه، قوله عن الإسلام “إن قائمة محرماته قليلة، بل نكاد نعدها على أصابع اليد الواحدة،…”! أي أن المحرمات في الإسلام لا تتجاوز الخمس! وهو بهذا- إذا أحسنا الظن- يخلط بين أعيان المحرمات وأفرادها وبين أجناسها، فعندما يقول الله في القرآن (قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ) الأعراف (33)، فلا يقول عاقل إن (الفواحش) محرم واحد! ولا أدري من أين أتى الحمد بهذا التحديد؟ بل إن الأمور المحرمة التي أجمع المسلمون على تحريمها تبلغ أضعاف ذلك، فضلا عما يرى تحريمه كثير من العلماء.

مع أني أرى الدكتور الحمد يتوسع في تحريم ما يريد، فهو يحرم قتل غير المسلمين (من غير المقاتلين)، وهو ما نوافقه عليه، ويحرم الرجوع إلى العلماء لأنه يرى ذلك كهنوتا، ويحرم تصنيف الناس بناء على معتقداتهم وبناء على ما يختارونه هم لأنفسهم (فالشيعي هو من يصنف نفسه شيعيا وكذلك السني والصوفي) ويحرم.. ويحرم..، ولا يرى غضاضة في توسيع دائرة تحريم ما لا يروق له.

وحتى لا يظن أنني أبالغ، فسأوضح ما أقول بنقطتين ساقهما الدكتور الحمد في مقاله: الأولى فتوى كبار العلماء، والثانية تكفير غير المسلمين. ومن حسن الحظ (بالنسبة إلي طبعا وليس إلى الدكتور الحمد) أن المثالين اللذين ساقهما لتأييد فكرته ولترويج خطابه ليسا من مفردات التيار السلفي- أي ليسا مما انفرد به علماء هذا التيار. بل هما أمران مجمع عليهما بين العلماء.

المثال الأول والذي اكتفى به الحمد- كما يقول- هو تحريم بناء الكنائس في بلاد المسلمين. وألخص مناقشتي في ما يتعلق بهذا المثال، في النقاط التالية:

1 الفتوى من هيئة كبار العلماء في السعودية، وهي الهيئة التي يُعيّن أفرادها بقرار من الملك. وقد صدرت توجيهات ملكية بقصر الفتوى عليهم. فهي لم تصدر من أفراد مغمورين أو شباب متحمسين، بل من جمع من كبار العلماء. وبهذا يظهر أن تعقب الدكتور الحمد ليس على فتاوى شاذة أو متعجلة، بل هو أبعد من ذلك.

2 الفتوى ابتدأت بالقول، كما نقل الدكتور الحمد: “ولهذا أجمع العلماء على تحريم بناء المعابد الكفرية مثل: الكنائس في بلاد المسلمين…” فالفتوى ليست مما شذّت به الهيئة، إنما هي تعتمد في ذلك- بالإضافة إلى النصوص- على إجماع العلماء قبلها.

3 الدكتور الحمد في مناقشته للفتوى وقع في خطأين لغوي وفقهي لا ينبغي أن يقع فيهما طالب صغير، فضلا عن كاتب متمرس. فالدكتور لم يفرق بين استحداث الكنائس، وبين بقاء ما كان مبنيّا، فأخذ يستدلّ على ما يتعلق بالثاني على الأول، مع الفرق الكبير بينهما. ففرق بين أن يُسمح ببقاء الكنائس، لأنها كانت لأهل البلد قبل أن يدخلها المسلمون، وبين أن يُستحدث فيها كنائس جديدة. وهو ما لم يدركه- فيما يبدو- الدكتور الحمد. فليت الحمد ناقش الفتوى بأسلوب علمي ورد الأدلة بحجج سليمة، بل استدل بكلام عام إنشائي وعاطفي يمكن أن يقوله كل أحد في كل موضوع له فيه هوى.

4 رد الدكتور الحمد لهذه الفتوى من كبار العلماء بهذه التبريرات الساذجة، هو ما يفتح الباب لأصحاب الفكر الداعشي/ الخارجي برد فتاوى العلماء في قضايا التكفير وطاعة ولي الأمر ولزوم الجماعة. فالحمد يرى أننا بوضعنا الحالي، بالرجوع إلى العلماء وحصر الفتوى فيهم (كما وجه بذلك خادم الحرمين!) نجعل “الإسلام دينا كهنوتيا له رهبانه وأحباره وبطاركته..” وهو بالضبط ما يقوله التكفيريون الدواعش عن علمائنا!

المثال الثاني الذي ساقه الدكتور الحمد هو تكفير اليهود والنصارى. وهذا أيضا مما أجمع عليه- ليس فقط العلماء- بل الأمة، وهو- كما يقال- من المعلوم من الدين بالضرورة. ومعنى تكفيرهم أي الحكم بأنهم غير مسلمين. فالدكتور الحمد لا يريدنا أن (نعتقد) أنهم كفار، أو أنهم سيكونون من أصحاب النار إن لم يسلموا. وأيضا أحب أن أناقش الدكتور حول هذا الرأي في النقاط التالية:

1 الدكتور يطبق نفس المنهج الداعشي في أخذ نص وترك النصوص الأخرى، وغالبا يكون هذا النص الذي أخذه من النصوص المتشابهة، ويعرض عن النصوص المحكمة. فالقرآن فيه الكثير من النصوص التي تنص صراحة على أنه لن يقبل أحد دينا غير الإسلام واتباع محمد صلى الله عليه وسلم، وتنص على أن غير المسلم لن يقبل منه عمل، وإنما يجازى بأعماله التي أراد بها خيرا بما أراده بها في الدنيا من المال أو الشهرة أو الذكر الحسن كما هو مشاهد. فلو سلك الدكتور الحمد سبيل العلماء وترك السبيل الداعشية لعرف المعنى الصحيح للآية التي ساقها، فإن لم يعلمه فيتمسك بالنصوص الواضحة. ففي القرآن (لقد كفر الذين قالوا إن الله ثالث ثلاثة…) و(لقد كفر الذين قالوا إن الله هو المسيح ابن مريم…) وفيه (ومن يبتغ غير الإسلام دينا فلن يقبل منه وهو في الآخرة من الخاسرين). وهذا الأسلوب- اتباع المتشابه والإعراض عن المحكم- هو أسلوب من في قلوبهم زيغ، كما قال الله تعإلى (فأما الذين في قلوبهم زيغ فيتبعون ما تشابه منه ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله…) وهذا مكون أساس في منهجية الخوارج في التفكير.

2 الذي يقول إن غير المسلمين هم أصحاب النار وبعدم قبول أعمالهم، هو الله في كتابه والرسول صلى الله عليه وسلم، فيما صح عنه، وليس العلماء!

3 الذي يستنكف الدكتور الحمد من الحكم بتكفيرهم أو القول بأنهم أصحاب النار، هم يقولون نفس الشيء عن المسلمين، فغالب أصحاب الأديان ممن يتمسك بدينه من اليهود والنصارى والهندوس، يرون أن المسلمين على ضلال وأنهم سيعذبون بشكل من الأشكال.

العلماء الراسخون في العلم ممن عرفوا بسلامة المنهج والعقيدة، يقفون دوما سدا في وجه الأفكار التكفيرية والإرجائية. ولذلك فمن استراتيجيات الجماعات التكفيرية التي تسهل لهم الوصول إلى الشباب إسقاط أولئك العلماء، والطعن فيهم وفي نياتهم، والتشكيك في علمهم، لإزاحتهم عن الوقوف في وجه تلك الفرق التكفيرية. وهذا المقال- وما يتوافق معه من خطاب- يسهم في إبعاد العلماء عن وجه التطرف ليمهد له الطريق ليكتسح الجميع، وليستشري الصراع بين المتطرفين في الاتجاهين. كما أنه يسهم في تقليل قيمة العلماء عند الشباب وعند عامة الناس.. فلا يكون لكلامهم أثر، وبالتالي يفتح المجال للفكر الداعشي لينتشر، وأيضا لينتشر الفكر المتطرف المضاد. فهذا المقال وهذا الخطاب لن يقودانا إلى الخروج من أزمة الفكر، بل سيؤديان بنا إلى فوضى الفكر، وهي المجال الخصب للفكر الداعشي.


كاتب سعودي



9