الرد على جريمة داعش يتزامن مع تحديد الأولويات

السبت 2015/02/07

أفرج الأردن، في توقيت غريب، عن زعيم السلفيين وخصم الدولة الإسلامية أبي محمد المقدسي، الذي يعتبر قريبا من جبهة النصرة وتنظيم القاعدة، في خطوة مبهمة لا يمكن تفسيرها ببساطة. فهل هي تكشف عن رغبة الأردن في تشجيع انشقاق بين السلفيين، ودعم صراع جديد بين النصرة وداعش؟ علما بأن اعتقال المقدسي الأخير كان على خلفية رفضه لانضمام الأردن إلى التحالف الدولي ضد الدولة الإسلامية، وأطلق عليه “التحالف الصليبي”.

ثم كيف يمكن للمخابرات الأردنية الثقة في رجل متطرف كهذا واستثماره؟ المقدسي معروف بتكفيره للمملكة العربية السعودية، وتمجيده لحركة جهيمان العتيبي التكفيرية.

إن الترويج لرجل تكفيري بهذه المواصفات، قد يعكر صفو العلاقات مع السعودية، والتحالف الإقليمي ضد الإرهاب. يرجو الكثير من المراقبين، ألا تدخل الدول العربية في فخ الصراعات بين الحركات الجهادية المتطرفة في هذه المرحلة الحرجة، خصوصا وأن السعودية قد التزمت موقفا صارما ضد جميع أشكال التطرف والمتطرفين في المنطقة، واحتفظت بعلاقات طيبة مع جميع الدول العربية.

السؤال اليوم هو هل تستعد القوات الخاصة الأردنية لحرب برية ضد الدولة الإسلامية؟ بريطانيا مثلا خفّضت مشاركتها إلى طلعة جوية واحدة فقط باليوم، وفرنسا كما يبدو انسحبت منذ عملية شارل إيبدو الإجرامية بباريس، وأميركا تقول إن الاحتواء أفضل من الاجتياح البري. فمن أين للأردن بتكاليف حملة برية؟

هل يدفع حيدر العبادي أو خامنئي للقوات الأردنية نفقات مكلفة كهذه؟ أعتقد أن الأردن مازال تحت تأثير الصدمة بسبب إعدام طياره بطريقة وحشية، وربما مع الوقت يبرد الموضوع، وتتخلص المملكة الهاشمية من رغبة الثأر، وردات الفعل.

لا توجد إمكانية لهجوم بري أردني على الدواعش. الهجوم البري يعني المزيد من الأسرى، والقتلى، والاضطراب الداخلي. يؤكد الجميع وقوف الشعب الأردني صفا واحدا مع حكومته الوطنية، ضد الجريمة التي ارتكبتها الدولة الإسلامية بحق الكساسبة. ربما هذا صحيح ومفهوم، غير أن الغضب شيء، والحرب، جنبا إلى جنب، مع الحرس الثوري الإيراني شيء آخر.

التحالف الدولي ضد الدواعش كما يبدو في طريقه إلى التفكك، وهناك شكوك تحوم حول تركيا. فلا توجد عملية إرهابية واحدة في تركيا مثلا، حتى الدبلوماسيون الأتراك الذين أسرتهم الدولة الإسلامية في قنصلية الموصل عادوا سالمين إلى أهلهم؟ ثم إن الدواعش في النهاية تنظيم متطرف وإرهابي، وربما تقتضي الحكمة تجنب الصدام معهم بريا، إلا بمشاركة فعلية من قوات برية أميركية مثلا. فالأردن ليس مضطرا إلى الذهاب نحو مغامرة من هذا النوع بمفرده.

هناك تخبط كبير في الأردن، فمثلا والد الطيار الكساسبة، يتهم الطيار الإماراتية مريم المنصوري بإسقاط طائرة ولده، وهذا اتهام مضحك حقا. يتم الترويج لكلام كهذا، لأن دولة الإمارات العربية المتحدة قد علقت، ببساطة، مشاركتها حاليا في العمليات العسكرية ضد الدولة الإسلامية. كما صرح أخيرا وزير الخارجية المغربي، أن القوة الجوية المغربية شاركت في الحرب ضد الدولة الإسلامية، تحت قيادة دولة الإمارات العربية المتحدة، مما يعني أن القرار في مشاركتها وانسحابها يعود إلى القيادة الإماراتية حصرا. دولة الإمارات تتمتع بثقل كبير في المنطقة، وباستقلال كامل في اتخاذ القرارات، فهي تقيّمُ جدوى المشاركة العسكرية أو تعليقها بما يخدم مصالحها.

لاحظت الإمارات عدم جدية الكثير من الأطراف في هذه الحرب، فبعض الدول تشارك بمبالغ ضئيلة جدا، والأخرى تطالب بالمال مقابل المشاركة في عملية طويلة الأمد، بلا استراتيجية واضحة. مثال على ذلك قرار الولايات المتحدة منح الأردن مليار دولار سنويا، ولمدة ثلاث سنوات، مقابل المشاركة بالضربات الجوية على مدينة الرقة.

إضافة إلى أن هناك قلقا إماراتيا منذ البداية، حول مشاركة الحرس الثوري الإيراني، الذي يقوم بعمليات إبادة للسكان السنة في العراق، كما جرى في منطقة جرف الصخر والمقدادية، تحت ذريعة الحرب على الإرهاب.

أعتقد شخصيا أن عودة الإمارات إلى التحالف العسكري ضد الإرهاب، ستكون محصورة بقدرة جميع الإطراف على إثبات الجدية، والتزام الأخلاق والمعايير الدولية لحقوق الإنسان في هذه الحرب. فدولة الإمارات العربية تشارك في الحرب على الإرهاب، مدفوعة بقناعاتها الإنسانية والحضارية الرافضة للإرهابيين، وليس من باب الارتزاق والبحث عن مساعدات مالية دولية. وهنا الفارق كبير.

لقد أرسل الأردن طائراته إلى مدينة الرقة، ونرجو ألا يكون هناك قصف للأطفال والنساء، كما نرجو ألا تكون هناك أضرار جانبية على الأردن واستقرارها.

القيادة الأردنية تطمح إلى خلق تحشيد سياسي صعب ضد الدواعش. المشكلة تتمثل في مشاعر الشعب الأردني ضد الأميركان وإيران بالدرجة الأساس، بسبب موقعه الجغرافي القريب من إسرائيل، وتركيبته الاجتماعية والثقافية. كما أن عددا كبيرا من أسماء الطيارين الأردنيين الذين كشفت عنهم داعش، في ذلك الفيلم المروع، كان يبدأ بـ”صدام” مما يكشف طبيعة التكوين الثقافي للشعب الأردني، الذي يصعب زجه في تحالف مع قتلة صدام حسين ليلة عيد إضحى.

القيادة الأردنية، معروفة بالخبرة والتعقل، ومن السابق لأوانه القول أنها في هذه الحرب ينطبق عليها المثل العراقي “معاجب الرعيان سارح”، وقد يصح أحيانا القول بأن القرارات السياسية تحت تأثير الصدمة والغضب، تكون متسرعة ومحكومة بإرادة الانتقام.

كما أن محاولة الدول في ضرب التنظيمات الإرهابية ببعضها، عملية محفوفة بالمخاطر، فهذه في النهاية تنظيمات ماكرة، وقد تنقلب على حلفائها. إن وجدان الشعوب لا يمكن تغييره بقرار حكومي، لهذا يرى كثر أن التوازن أفضل من المبالغة على أي حال. كأن يحتفظ الأردن بموقفه من الإرهاب، مع مسافة مماثلة من المشروع الإيراني والأميركي بالمنطقة، هو الأصلح.

حفظ الله الأردن، وشعبه وملكه من كل مكروه.


كاتب عراقي

8