الرسائل

إن إدراك كيفية تنقّل الرسائل وترجمتها عبر أجسادنا أمر ممتع، فهو يفسّر الكثير من الظواهر والحالات الإنسانية التي بات العلم، اليوم، هو السيد في شرحها وتأويلها.
الجمعة 2019/07/05
"روبوسابين".. يا لها من رسالة بليغة يحملها الاسم

في سوق الأنتيكات، أو ما يسمونه بـ“سوق البراغيث” عثرت الأسبوع الماضي على رجل آلي ملقى جانبا، كان المشهد يبدو مقتطعا من فيلم ويل سميث “آي روبوت” الذي صوّر ثورة الرجال الآليين على البشرية.

لم أتردد طويلا في شرائه، وسارعت للبحث على “غوغل” عن الشركة التي صنعته ومواصفاته وكيف يعمل، وكان اسم المنتج بحد ذاته مثيرا للغاية؛ “روبوسابين”. يا لها من رسالة بليغة يحملها الاسم الذي يدمج ما بين “الروبوت” وبين ”السابين” التي تشير إلى الإنسان القديم العاقل.

في عالم الرسائل البليغة، كانت واحدة من أكثر اللوحات الفنية إيحاء، تلك التي قدمتها المطربة اللبنانية هدى حداد شقيقة فيروز ومعها المغنيان جوزيف ناصيف ومروان محفوظ، ويتسلم فيها ابن القرية الأمّي البسيط، بطربوشه وسرواله، من البوسطجي، رسالة وصلت لابنته، وحين يقرأ له ساعي البريد نصها أولا سيقول “حبيبتي سلمى أنا أتذكر أيام التلاقي، كيف كنت تهربين ونركض على السواقي.

وحين كنا نراقب والدك حتى ينام، نعرف أننا صرنا بأمان”، فيفور دم الأب غيرة وغضبا. ولكنه يطلب من معلمة المدرسة قراءة الرسالة فتقرأها له هكذا “عزيزتي سلمى أخبرك عن الدرس. لدينا دروس كثيرة”، فيزداد عجبه. وكي يتأكد مجددا يطلب من أحد المارة الذي يصادف أنه والد الشاب مرسل الرسالة أن يقرأها له، فيقول “أيتها الآنسة من بعد السلام، ودون كثر كلام، قولي لأبيك ليدفع إيجار الدكان لأبي شهدان، لأنه مسكين وطفران”.

الرسالة الواحدة في تلك اللوحة كانت تتغير كل مرة حسب القارئ، مع أن الكاتب واحد والنص واحد والمتلقي واحد. وهذا ينعكس على عالم اليوم الملون الذي وصل فيه تدقيق الإنسان وهو الأمي الأكبر في الكون، والذي يحاول تهجي حروف العلم الشاسعة، إلى البحث في طبيعة الرسائل التي تتواصل بها خلايا جسمه، وفقا لباحثي جامعة أدنبرة، الذين كشفوا أن تلك الشبكة الخلوية الواسعة تستخدم شبكة مجهرية من الأسلاك تنقل الرسائل. أسلاك من أيونات الكالسيوم تنتقل طوال الطريق إلى النواة الموجودة في قلب الخلية، تتغير باستمرار حسب المزاج وطبيعة الرسالة.

إن إدراك كيفية تنقّل الرسائل وترجمتها عبر أجسادنا أمر ممتع، فهو يفسّر الكثير من الظواهر والحالات الإنسانية التي بات العلم، اليوم، هو السيد في شرحها وتأويلها، وليس فقهاء الغيب والروحانيين والمحللين النفسيين. ولن يطول الأمر كثيرا حتى تنقرض هذه الحقول كلها، لصالح العلم وحده.

24