الرسائل التحريضية للسينما الكردية.. إعادة كتابة للتاريخ

الخميس 2013/11/21
الوثائقيات الكردية: جرأة في طرح قضايا وهموم المواطن الكردي

لندن – تتوفر غالبية الأفلام المشاركة بسويتها الفنية التي تؤهلها لنيل الجوائز في المهرجانات العالمية، ولكن هذا لا يمنع من تسرّب بعض الأفلام الضعيفة هنا وهناك، حيث يضحّي بعض القائمين على المهرجانات بالجوانب الفنية بغية ترويج الجانب التحريضي في بعض الأفلام الوثائقية الضعيفة التي تروم إيصال عدد من الرسائل المحددة، التي تعرّي هذا النظام القمعي أو ذاك، وتشيد بطريقة أو بأخرى بالثوار أو المتمردين الكرد الذين يقاتلون هذه الأنظمة المستبدة، بهدف نيل حقوقهم المشروعة في الحكم الذاتي كخطوة أولى قد تفضي بالنتيجة إلى قيام دولتهم الكردية الكبيرة التي يحلمون بها، ويُطلقون عليها اسم "كردستان الكبرى"،

أوجاع حلبجة


إن من يتابع الأفلام الوثائقية في هذه الدورة سيجد أن عددها قد بلغ 46 فيلما وثائقيا ضمنها 20 فيلما مشاركا في قسم يلماز غوناي لمسابقة الأفلام الوثائقية. وبغض النظر عن هذه الأفلام سواء أكانت داخل المسابقة أم خارجها فإنها تحريضية تحث المشاهد على التفكير والاحتجاج.

لا شك في أن السينما قد ساهمت في التعريف بالقضية الكردية، فقصف حلبجة بالأسلحة الكيمياوية لم يكن يعرفه الكثير من العراقيين بسبب التعتيم الإعلامي آنذاك، لكن السينما هي التي فضحت هذه الجريمة النكراء وقدّمت عشرات الأفلام التي ترصد أبعادها وتداعياتها الخطيرة التي لا تزال قائمة حتى يومنا هذا. ثم عُرفت رويدا رويدا بقية القرى والقصبات التي قُصفت بالغازات السامة مثل "باليسان" التي أخذت عنوان هذا الفيلم الذي أنجزه المخرج العراقي الكردي جبريل أبو بكر، والذي يسلّط فيه الضوء على قصف هذا الوادي بأسلحة الدمار الشامل العراقية في 16 أبريل/ نيسان 1987، فيدعو المخرج عددا من الناجين لإحياء هذه المأساة المفجعة، حيث يجمعون رفات موتاهم ويعيدون دفنها في قراهم.

يتابع المخرج العراقي الكردي صلاح رش في فيلمه المعنون "نحن" الهجوم على حلبجة الذي أفضى إلى قتل خمسة آلاف شخص في الحال، كما خلّف آلافا من الجرحى والمصابين والمشوهين إلى الأبد. لقد وقعت هذه الحادثة قبل 25 عاما ولكن آثارها لا تزال ماثلة للعيان، حيث يختار المخرج خمسة من هؤلاء المصابين ويضعهم تحت المجهر، ويدوّن الأحداث حسب ترتيبها الزمني، مسجلا صراعهم الأصيل من أجل البقاء والحفاظ على موروثهم التاريخي والإنساني.

حقول الألغام

ثمة أفلام أخرى تناولت حلبجة من زاوية نظر أخرى مثل فيلم "الحياة في حقل الألغام"، حيث يسلّط المخرج العراقي الكردي الضوء على موضوع إزالة الألغام التي فتكت بالشعب الكردي في حلبجة وما جاورها من قرى وقصبات صغيرة متناثرة.

كان بإمكان المخرج أن يتوسع في ثيمة هذا الموضوع الإنساني ليغطي خطر الألغام في العراق برمته، ففي البصرة هناك قرية سميت بـ"البتران" لأن الألغام فتكت بغالبية سكانها الذين بُترت سيقانهم بسبب الألغام التي خلّفتها الحروب السابقة.

الأفلام الكردية مرآة تعكس أوضاعهم المعيشية

الأفلام الكردية التي تدين النظام التركي الحالي أو الأنظمة السابقة كثيرة، ولا يمكن حصرها في مقال واحد، فهناك أفلام تركّز على موضوعات القمع، والمطاردة، والتعذيب، وزجّ المتمردين في السجون مثل فيلم "طرقات على الباب" للمخرجين خليل فرات يزار وميتن جليك، حيث يعودا بنا إلى حملة القمع التي شنّتها الأجهزة الأمنية التركية، حيث تُداهم العناصر الأمنية الثوار والمتمردين في الصباحات الباكرة التي ينجم عنها أصوات مكتومة للضرب والاعتقال.

تابع المخرجان هذه الاعتقالات التي بلغت في أثناء إنجاز الفيلم 51 شخصا، لكن هذا العدد ارتفع ليبلغ نحو ستة آلاف شخص معتقل. يحكي هذا الفيلم في مجمله قصص القهر والصمود، واليأس والأمل، لكن كفّة الصمود والأمل هي الراجحة في رهان الزمن الطويل.

بعض الأفلام الكردية في تركيا تأخذ طابع المناجاة وكشف الهموم الفردية، التي تعتبر الأساس الأول للهموم الجماعية. ففي فيلم "آسا" لإيركان أورهان نلامس هذا الهم الفردي لامرأة بلغ عمرها ثلاثا وثمانين سنة، لكنها لا تزال تزور قبر ابنها في قرية "آمد" بديار بكر سنويا، مستذكرة ابنها الذي سقط وهو يقاتل ضمن صفوف البكه كه. كما تستذكر تلك القرية الصغيرة التي دمّرها الجيش قبل عدة عقود. وربما تذكرنا قرية "آمد" ببقية القرى الكردية التي هُدمت وأزيلت من الوجود أو أُحرقت في أضعف الأحوال.

التهجير القسري

يرصد فيلم "مشرّدون" لمحمود خليل وسيركان يورك ثلاثة عقود من الصراع الكردي في تركيا، حيث جلب العديد من المآسي للشعب الكوردي من بينها الإخلاء القسري، وحرق المئات من القرى، وترحيل أبنائها بالقوة إلى مدن وقرى عديدة من دون أن يعوّضوهم أو يمدّوا لهم يد العون أو المساعدة. يسلّط هذا الوثائقي الضوء على العديد من الأوضاع البائسة التي تحملتها تلك العائلات في صراعها اليومي الموزع بين تحصيل الرزق الحلال والنضال من أجل انتزاع حقوقهم القومية المشروعة. تقودنا تداعيات "مشرّدون" إلى فيلم "مهمة الجوع" لأولاش صباح الدين وأحمد عتابي الذي يفضح ما يقع في السجون التركية من انتهاكات لحقوق المواطن الكردي.

ففي سبتمبر/ أيلول 2012 أضرب السجناء الكرد عن الطعام مطالبين الحكومة التركية بأن تعترف بهم كأمة لها تاريخ ولغة خاصة بهم، كما طالبوا بالإدارة الذاتية، والتمثيل في المحاكم الرسمية. يصور هذا الفيلم أيضا المصادمات الحادة بين ماكينة الدولة القمعية والإرادة التي لا تنكسر للشعب الكردي الذي يطالب بحياة حرة كريمة.

نخلص إلى القول بأن معظم الأفلام الوثائقية في هذا المهرجان تركز على ضرورة إيصال بعض الرسائل التحريضية إلى متلقيها، وتأليب الرأي العام العالمي لخدمة القضية الكردية سواء في إطارها المحلي أم العالمي.

16