الرسالة الدمشقية: زمن الرعاع

الثلاثاء 2014/09/02

لم يعد «سوق السنّة» حكرا على بعض المناطق الموالية لنظام بشار الأسد، كما في ريف طرطوس واللاذقية وحمص، عندما ظهرت قبل عام من اليوم، على إثر سقوط ثالث المدن الكبرى في قبضة الأسد، وأثارت، آنذاك، استنكارا عارما من السوريين والعرب، فها هي دمشق عاصمة جميع السورين تتحول إلى «سوق للسنّة»، يقبل فيها السوريون على أشلائهم، كما لو كانت أشلاء أعدائهم.

قبل أيام، وصلتني من دمشق رسالة مؤلمة، تشرح بكثير من الأسى، الهجمة البربرية على بيوت بلدة المليحة التي انسحب منها مقاتلو المعارضة وسقطت، مؤخرا، في أيدي قوات الأسد وحزب الله، بعد حصار دام نحو العام، تلقت البلدة الصغيرة خلاله آلاف القذائف والصواريخ والبراميل المتفجرة التي قذفت بحممها قوات الأسد حتى فرغت من أهلها الذين يقدر عددهم بعشرات الآلاف.

تفيد الرسالة الدمشقية بأن البلدة المنكوبة ومنذ سقطت كاملة بيد النظام، قبل ثلاثة أسابيع، وحتى الساعة، تشهد أعمال نهب وسلب علنية عارمة، وأن سيارات “التعفيش” تجوب الشوارع المتاخمة للمليحة، رائحة- غادية بالأسلاب في حركة لا تنقطع، تنقل ما يمكن أن تستوعبه من حمولة، من بيوت البلدة ومحالها التجارية، لتظهر هذه الأسلاب، من ثم، في جرمانا والدويلعة وباب توما، وصولا إلى قلب دمشق.

تقول الرسالة بأن محلات بيع المستعمل، عادت فانتعشت مجددا في دمشق ومحيطها، بل وفُتِحت محلات وأسواق جديدة، بكثافة غير مسبوقة، لتصريف مختلف المنهوبات المجلوبة من أعمال الغزو التي تقوم بها قوات النظام وميليشياته العائدة من ساحات الوغى بالأسلاب، والبعض، كما تشرح الرسالة، يبيع مسروقاته مباشرة في الشوارع الرئيسية والفرعية في أحياء جرمانا على نحو خاص.

وفي التفاصيل، فإن ما تشير إليه السطور الأليمة للرسالة من صعوبة المعيشة والغلاء الجنوني للأسعار، يجعل هذه الأسواق المحدثة على عجل تشهد إقبالا شعبيا على شراء المسروقات، فالبضاعة، التي كانت حتى وقت قريب حاجيات شخصية لأصحابها التاركين بيوتهم غصبا عنهم، وقد باتوا لاجئين مشردين في خيام الدول المجاورة وعلى أرصفتها، هذه الحاجيات المنهوبة والتي صرف الكثيرون من أصحابها سنوات غالية من حياتهم كدا وشقاء للحصول عليها، تباع اليوم، في النكبة، بربع ثمنها ومرات أقل بكثير.

وللعلم مثلا: يباع المكيف 2 طن في شارع الروضة بجرمانا بـ 15 ألف ليرة، في حين أن سعره القديم قبل الانتفاضة يتراوح بين الـ40 والـ50 ألفا. أما «الفريزر» فقد بيعت في حي الدير بـ 20 ألف ليرة، والدراجة الهوائية التي ثمنها عشرة آلاف ليرة تباع بألفين، ومضخة المياه تباع بـأربعة آلاف ليرة، وثمنها الأصلي 18 ألف ليرة.

وفي العاصمة دمشق، قلب السوريين النابض، تغصّ محلات شارع الثورة بالمنهوبات من بيوت الغائبين، وتملأ الأرصفة، ويقبل عليها جمهور من السوريين، يفاوض اللصوص على ما يَستنسب منها، كما لو كانت متاع أعداء مهزومين، تتخاطفه أيديهم في مساومات خسيسة بين بائع وشار.

على أن الرسالة الدمشقية تعدِّل من لهجتها، وتذهب إلى إعمال الفرق بين مقبل على الأسلاب من ساكنة العاصمة، ومعرض عنها، بوصفها علامة فادحة على مذبحة أخلاقية تدور في جوار المذبحة الأم، مسرحها، هذه المرة، عاصمة الأمويين الرازحة تحت القبضة الأمنية المحكمة للأسد وميليشياته المشبعة بروح الجريمة.

تقول الرسالة إن معظم سكان جرمانا والعاصمة يرفضون مبدأ سرقة المدن والبلدات التي اقتحمتها قوات النظام وميليشياته، ويدينون عناصر ما يسمى بـ«الدفاع الوطني» التي تقوم بأعمال السلب والنهب. لكن الواقعة نفسها تقول إن تلك الإدانة لم تمنع إقبال الكثيرين من الساكنة على الشراء مدفوعين إليه بفقرهم وحاجتهم الماسة إلى الأشياء.

وسوف لن تعدم منطقا مراوغا من قبيل ما عبر عنه متبضع راح يبحث غايته في متاع أهل المليحة «أنا ضد السرقة لكنني سأشتري بعض ما أحتاج إليه، ولنكن واقعيين، لو لم أفعل سيفعل غيري. من حقي أن أستفيد». بينما ترفض سيدة الفكرة من أساسها، وتعتبر ذلك شراكة في الجريمة. وفي الأخير هناك، كما تقول الرسالة، قلة وقحة من الناس، هم أنصار النظام، يؤيدون فكرة الانتقام من أهالي المليحة بسرقة ممتلكاتهم، وافتتاح أسواق بها على شاكلة «سوق السنة» التي انتشرت أخبارها الفاضحة في المدن والأرياف البعيدة عن العاصمة.

والواقع أن «التعفيش» من المليحة غير متاح لعموم الناس، بل هو حكر على عناصر «الدفاع الوطني»، كمكافأة لهؤلاء الرعاع، لحثهم على التمسك بالنظام. وهم لم ينطلقوا إلى المليحة من جرمانا وحدها، بل تقاطروا على الغنيمة زاحفين من كل جهة في دمشق. وفي المليحة، التي حرس «الجيش الحر» بيوتها، من الأثاث ما يكفي لهم جميعا، بسبب كثافة سكانها، والحالة المادية الجيدة التي كانوا عليها قبل تهجيرهم.

وفي تفاصيل الرسالة الدمشقية، أن ضباط النظام المسؤولين عن العمليات العسكرية في المليحة ينظمون عملية دخول وخروج عناصر «الدفاع الوطني»، ويوزعون الأحياء والشوارع والأزقة والبنايات عليهم رزقا حلالا لهم.

ولابد أن نستنتج من كل هذا أن «التعفيش» جزء من سياسة ممنهجة للنظام تهدف إلى معاقبة المناطق الثائرة والانتقام منها، ومنع عودة الأهالي إليها. وقد طبق، عمليا، على جميع المناطق التي استعادها النظام، ولم تفلت منه معظم أحياء حمص، والقصير ويبرود والنبك ودير عطية وقارة وغيرها من المدن والبلدات المنكوبة.

ولعل الثأر من المليحة أن يكون أشنع مما حدث لغيرها من البلدات الثائرة بسبب الكلفة الكبيرة التي دفعها النظام من كبار ضباطه المجرمين الذين قضوا في المعارك الشرسة خلال المحاولات المتكررة الفاشلة لاقتحامها، فضلا عن أنه ضرب من رشوة كريمة لمليشيا «الدفاع الوطني» وقطعان الشبيحة، ليبقوا في صفوف النظام الذي بات، عمليا، عاجزا عن دفع رواتبهم. وهكذا أثرى الكثيرون من هؤلاء القتلة واللصوص وباتوا يملكون العقارات والأرصدة المالية من جراء أعمال السرقة و«التعفيش» ونهب الناس.

نستنتج مع الرسالة الدمشقية، أيضا، أن الأخطر في عملية «التعفيش» هذه التي يقوم بها مختلف الرعاع هو ما تتسبب فيه من تعميق للحساسيات الطائفية والمناطقية داخل المجتمع السوري، بين أهالي المناطق التي ثارت، والمناطق المجاورة لها، والمحسوبة على النظام. وهو ما يجعل الهوة تفغر فاهها أكثر فأكثر بين مكونات المجتمع السوري، هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى، فإن تعميم فكرة السلب والنهب وإشراك المجتمع كله في الجريمة، يخلق حالة إثم جماعي مسكوت عنه، لن ينجو منه العقل الجمعي ولاوعيه الشقي، ولسوف تكون لهذا الشعور الجماعي المضمر بالإثم تفاعلاته السيكولوجية في اللاوعي الجمعي، لابد أن تعبر عن نفسها في وقائع وأحداث مقبلة لن تقل مأساوية.

والسؤال، الآن، ترى هل يعقل أن لا يكون المقبلون على شراء الأسلاب بشرا لم يعرفوا الخير من الشر، والخطأ من الصواب؟

أما وقد أصبحوا، الآن، رغم حاجتهم إلى الأشياء، شركاء في جريمة جماعية، فهم بلا شك في مقام ضالعين، ماديا ومعنويا، في وقائع سرقة فاضحة لآثار وذكريات وخصوصيات تتعلق بحياة كاملة لأناس كانوا حتى الأمس القريب إخوة وجيرانا لهم، تشاركوا معهم في رابطة الجماعة الوطنية والإنسانية، وعاشوا في جوارهم القريب.

إنها خيانة كبرى للضمير، وسقطة أخلاقية للجماعة كلها، تلك الاستجابة الغريبة من شعب متحضر لأخلاق الرعاع وأفعالهم، وهي بالتأكيد فعلة خسيسة، تكشف عن قبول جماعي بسياسة التهجير والتنكيل التي يقوم بها النظام، والتي يستحق منفذوها الملاحقة والعقاب، والصامتون عليها، الخزي والعار.

هل يكفي القول، أخيرا، إن هذا الفعل الفاضح المتمثل في استباحة المدن والقرى والبلدات السورية، وعرضها على الملأ في مدن وبلدات سورية أخرى، هو حدث عابر في التاريخ، لكونه لا يحدث للمرة الأولى في أرض الشام، وأن وقائعه المخزية تكررت بحذافيرها في التاريخين البعيد والقريب؟ على اعتبار أن دمشق، التي مازلنا نطلق عليها إلى هذه اللحظة، نحن، والنظام معنا (مرغما) «عاصمة الأمويين»، كانت قد شهدت خلال القرن الثامن الميلادي في ذروة الازدهار الحضاري للدولة الأموية، نكبة استبيحت معها بدورها ومساجدها وأسواقها، وعرفت سلبا ونهبا وقتلا وتشريدا، على أيدي همج مشابهين لهمج اليوم، وعرفت نكبة كبرى مشابهة مع الاجتياح المغولي، في القرن الرابع عشر، وتكرر الأمر مع وصول البعث إلى السلطة عندما استباحت دبابات الانقلابيين باحة المسجد الأموي رمز المدينة وقلادتها التاريخية، ومعه جامعتها التي هي فكرها الحديث؟ هل يكفي أن نسرد فظائع التواريخ لنتسامح مع رعونة الجماعات البشرية في الملمات الكبرى، والسقطات الأخلاقية لها، أم لنطرح السؤال حول دلالة أن يعيد التاريخ نفسه بالوحشية نفسها، حتى لكأن التاريخ صخرة صماء، وسنن التطور لم تفعل فعلها في ثقافة البشر.


شاعر سوري

9