الرسالة الملكية التي أخافت النظام الجزائري

الخميس 2013/09/05

ماذا يخيف النظام الجزائري في رسالة وجهها الملك محمد السادس إلى سفراء مملكته، أليس يمارس أعمال السيادة فوق حدود بلاده ويحث أولئك الجنود على التصدي دبلوماسيا لكل المكائد ومحاولات الخصوم للنيل من الأمن القومي للمملكة؟

لم تحمل الرسالة أي ضغينة، إنها رسالة حضارية بلا دبابات ولا صواريخ. فكيف يمكن لرسالة أن تثير الأعصاب إلا إذا كانت قد ضغطت على المنطقة الحساسة في نظام الجنرالات؟ هذا النظام الذي لم يبتكر بعد لغة دبلوماسية راقية في التعامل بذكاء مع السياسة والساسة، بل يأمر إعلامه المبرمج بتأليب الرأي العام ضد المغرب منذ مدة طويلة. رسالة الملك التي من الواضح أنهم لم يقرؤونها بعناية وبايجابية بل بعين يملؤها من الحنق الشيء الكثير لتنطلق السهام.

المملكة ليست في حرب ضد أي دولة أو نظام، وإنما تحمي حقوقها وحدودها وتنتصر للاستقرار والسلام، الواضح أن الجارة الجزائر تقلب الحقائق بلا شفافية فهي التي ساهمت في ولادة البوليساريو وزودتها بوسائل العيش والنمو بشرط الامتثال لأجندة الجنرالات العسكرية، بمقتضى أن هذا النظام ليس جمعية خيرية تتصدق على من توهموا أنه بالإمكان خلق كيان بعد اقتطاعه من أرض المغرب، وكأنها خلاء لم تكن تحكمها قوانين وأعراف مغربية، واعتبار هذا الكيان الوهمي دولة. لا يمكن للنظام الجزائري أن يرافع في قضايا غيره المصيرية، وهو الذي ينقضها فحق تقرير المصير الذي صدعوا به رؤوسنا مساره أعدم منذ زمن. ولنسائل دبلوماسية الجنرالات كيف كان موقفهم من حق تقرير الشعب السوري لمصيره؟

الترويج للنموذج المغربي دوليا ليس حراما، إنها ممارسة السياسة بأصول الشرف والوضوح، إذ أن الرسالة الملكية الموجهة إلى اجتماع للسفراء المغاربة الذي نظم بمقر وزارة الخارجية تُلِيَتْ أمام الملأ كردّ على كل الضغوط التي تُمَارَسُ ضد المغرب في قضيته الوطنية، سمعها وقرأها الجميع وهي تؤكد على الاستثمار الاقتصادي والثقافي والسياسي خدمة للإنسان المغربي من شمال المغرب إلى جنوبه. الصحراء المغربية قضية وطنية تقاربها المملكة بوسائل دبلوماسية، وبما أنها كذلك فمن باب أولى الاهتمام بها وحمايتها كمصلحة عليا للمملكة، ليس بالصواريخ الباليستية أو 16F والراجمات وإنما بتعزيز وتقوية علاقات المغرب الدولية، وليس إرهاقه باختلاق الحروب وتمويل المجموعات المارقة. النموذج المغربي أخذ طريقه في الإصلاح منذ زمن بعيد وبتؤدة، يقارب السياسي والاقتصادي والاجتماعي بحس وطني، ويمكن اعتبار هذا النموذج بضاعة قابلة للتداول والإفادة منها كل على قدر حاجته. هنا أؤكد على نبل الفروسية في الرسالة الملكية، حيث لم تصف النظام الجزائري بالعدو وإنما الخصم، وهذه تدخل في اللغة الدبلوماسية المشبعة بالحكمة، لغة لا مبرر للخصم فيها أن يدخل في حالة هيجان. لقد دأب النظام الجزائري على وضع نفسه ندّا للمغرب ومارس جميع الألاعيب، متوهما أن العالم برمته لا يرى سوى بترودولار جزائري. إن التدخل في شؤون الغير تحت دعوى أنه دفاع عن تقرير مصير ما أطلق عليه هذا النظام، الشعب الصحراوي، فمن أعطاكم الحق في تقرير حقوق الآخرين ومصائرهم ولنفترض جدلا أن هذه عقيدتكم، فهي حق أريد بها باطل سياسي محض.

لا تحاججوننا بمخاطر التدخل الأجنبي وانتهاكاته ونهبه للثروات، فالمغرب دفع أثمانا باهظة في دفاعه المستميت على استقلال الجزائر ولم يطعنها في الظهر، انطلاقا من الأخوّة وحق الجار. وسياسيا كانت نظرة المغرب دائما ما تحركها المصلحة الكبرى لشعوب المنطقة، والرسالة الملكية التي وجدها الجزائريون مستفزة تدعو إلى رغبة المغرب النابعة من صدق مسعاه في تفعيل وحدة المغرب الكبير، وتوجيه جهود الدبلوماسية المغربية في تحدي عراقيل إتمام هذا التكتل المهم لشعوب المنطقة.

جبهة البوليساريو تتآمر على المغرب بدعم من النظام الجزائري، والكل يعرف هذا التوجه، ومن واجب الدبلوماسية المغربية الوطني أن تحاصر هذا الكيان الذي ثبت أنه مرتع للفساد والإفساد والاتجار في كل ما هو خارج القانون. الرسالة الملكية لا تخيف إلا من يبيّت النوايا السيئة فهي موجهة إلى الدبلوماسية المغربية تحثها على إسراع الخطى نحو إبداع وسائل مبتكرة للدفاع عن البلد، وفتح ورش الدبلوماسية لتطعيمه بأدوات فاعلة ومنطق متجدد فماذا يقدم الآخرون لشعبهم؟

أنا أرى أنه هروب إلى الأمام بتحميلنا أسباب فشلهم، ينبغي إذن في هذا الظرف الدقيق الاحتفاظ بالهدوء والترفع على ممارسات غاية في القدم، تشي بأن هؤلاء لا يعون أن هناك جارا مغربيا فيه أشياء تتغير وبرامج تتزين بلباس التطور وأوراش بدأت لكي تسير في خطوات نحو المستقبل، وهو يعي معنى التكتلات الاقتصادية والسياسية ومغزى الالتزام بنهج الاعتدال خدمة للاستقرار وجلبا للاستثمار، إنه جوهر الرسالة الملكية لمن يقرأ المستقبل وله سمع وبصر وبصيرة يسمع ويرى ويعي بأنها ليست دعوة للحرب أو للاستفزاز، فالمغرب بكل مكوّناته لا يريد تبذير قدراته وطاقاته الذاتية في ما لا طائل من ورائه.

ما يخيف نظام الجنرالات في الجزائر، هو التطور الذي يعرفه المغرب حتى ولو كانت بخطوات ليست سريعة لكنها محسوبة ومتوازنة تخيف من ألِفَ محاصرة أبناء المغرب في الصحراء عبر البوليساريو، والابتعاد بمبادرة الحكم الذاتي الموسع من على طاولة الحل السياسي الذي باركته كل القوى الدولية لرجاحته وواقعيته

كاتب مغربي

9