الرسامون بالرمال في مصر "يبيعون الغرام" في زجاجات

فن الرسم بالرمال داخل الزجاج من الفنون القديمة عند العرب، وأول من عرفه هم الأنباط بعد اكتشاف الساعة الرملية، وبدأ يتدرج إلى كل البلاد العربية التي تتوفر فيها المادة الخام لتلك الصنعة. وأطلق البعض في مصر على رسامي الرمال داخل الزجاج “بائعو الغرام”، ولا يقتصر المعنى على الأحبة، بل يمتد ويشمل الغرام لكل ما هو طبيعي ساحر.
السبت 2015/10/17
لوحات فنية تربط بين قلوب العشاق والأحبة

القاهرة - تعبئة الرمال في قارورة زجاجية شفافة لم تعد مجرد مهنة، بل تعدت ذلك لتصبح فنا بارعا يعكس عشقا كامنا بالقلوب، ويضفي شاعرية ساحرة من خلال تمازج خلاب لحبات الرمل الملونة.

والتعبير عن مكنونات القلب من أصعب الأشياء التي تواجه الكثيرين، لذلك أبدع الفنانون في إيجاد كل ما هو جديد من الطبيعة للتعبير عنها، وبعد أن كانت الجدران وسيلة لإعلان المشاعر على الملأ، قام المحترفون لمهنة الرسم بالرمال بتعبئة الكلمات المراد الإفصاح عنها في قوارير زجاجية تعيش كذكرى لسنوات عديدة وتقتصر على الحبيبين وحدهما. بدقة متناهية يبدع الثلاثيني عبدالرحمن سيد، ابن مدينة سوهاج (جنوب مصر)، والجالس في مكان مخصص له بهضبة أم السيد بشرم الشيخ السياحية، لوحات فنية داخل قنينات زجاجية وكريستالية، تكاد تنطق بما تحويه من كلمات عشق ومناظر طبيعية لشدة جمالها.

المترددون على صانع القوارير لن يثنيهم الخجل أو العمر أو الجنس عن كتابة كلمات العشق وأسماء من يحبون، فندا سليم (طالبة جامعية) طلبت منه كتابة اسم حبيبها فوق صورة نخلة، وعندما استفسرت منها “العرب” عن دلالة ذلك، أوضحت أنها درست أن النخلة دلالة على الازدهار والخصب، وهي بتلك الآنية ستقسم على حبيبها أن يحافظ على حبهما ويرعاه ليزدهر.

عبدالرحمن سيد صانع القارورات لم يخذل طلب الشابة الصغيرة، ورسم النخلة واسم الحبيب على كل جوانب القارورة الزجاجية الشفافة، وقال أنه يقوم بتعبئة الرمل داخل القنينة بشكل أفقي ومتساو على كل الجوانب، وأضاف بحركات تدل عن خبرته الواسعة، الرمل الملون بملعقة، إلى محقن يتصل بشفاط يتحكم في نزول الرمل بسده أو إمالته بحذر بالغ، فوقوع الخطأ (كما يقول) ووضع رمل ملون في غير مكانه يعني تفريغ الزجاجة وإعادة العملية من جديد. ثم يستخدم سلكا معدنيا لتحريك الرمال داخل الزجاجة، ثم ضغط الرمال بمطرقة صغيرة واسطوانة خشبية لكي يثبتها. وبعد انتهائه يستخدم سائلا صمغيا لاصقا لإغلاق الآنية الكريستالية من أعلى ولتثبيت الرمل داخلها، لينتهي من تنفيذ رغبة العاشقة فى أقل من 15 دقيقة، بمقابل مادي يساوي أربعين جنيها مصريا (ما يعادل خمسة دولارات)، بالإضافة إلى حصوله على ابتسامة رائعة ارتسمت على وجه الفتاة، عندما رأت اسم حبيبها يتألق داخل القارورة وبدت وكأنها شاهدته أمامها.

بعد أن كانت الجدران وسيلة لإعلان المشاعر على الملأ، قام المحترفون لمهنة الرسم بالرمال بتعبئة الكلمات المراد الإفصاح عنها في قوارير زجاجية تعيش كذكرى لسنوات عديدة وتقتصر على الحبيبين وحدهما.

لكن تلك الابتسامة فشل في الحصول عليها عندما طلب منه سائح عربي رسم العلم الأميركي يعانق علم دولته لكي يهديه لحبيبته الأميركية، ولم تفلح كل المحاولات التي قام بها لعمل ما يطلبه السائح، مفسرا ذلك أن إحساسه لم يطاوعه لتشكيل رسم بهذا المعنى بعد كل ما تفعله الولايات المتحدة في المنطقة العربية.

مراسلة {العرب} وجدت زبائن يطلبون من صاحب القوارير المساعدة لاقتناء الأجمل للحبيب، وهو لا يجد خجلا في السؤال عن طبيعة الحبيب وصفاته وما يحب وما يكره من الأشياء، وبناء على ما يسمعه يتم اختيار ما سيملأ به قارورته.

لكنه على الجانب الآخر، تعلم ألا يبادر بالسؤال، خاصة عن أسماء المحبوبات، حيث تعرض إلى موقف سخيف عندما قام بسؤال أحدهم عن اسم زوجته التي يريد إهداءها القارورة، وكانت تقف بعيدا عنه، وكان رد الزوج عنيفا فنهره وتشاجر معه متهما إياه بالتطاول على خصوصياته وانصرف عنه.

الشجار أيضا كان بين زوجات أربع لسائح عربي طلب من عبدالرحمن تزيين قارورات لهن واختار أربعة رسومات، وهم الوردة والقمر والشمس والبحر لكل واحدة، وعندما انتهى منها، تشاجرت السيدات الأربعة على صورة الوردة التي من وجهة نظرهن أنها الدليل الأكبر على الحب، وحاول الزوج إقناعهن بأن الرسومات الأخرى تعبر أيضا عن الحب الشديد، لكن دون جدوى، ما اضطره أن يفض الاشتباك بينهن بعمل قارورات أخرى بداخلها وردة لكل زوجة، ومال على أذن الفنان الصغير قائلا بصوت منخفض “ناقصات عقل”.

خفة الظل والنية الحسنة التي ظللت هذا الشجار لم تتوفر بين سامي سليم (محاسب) وزوجته، حيث قام بتحطيم الآنية الزجاجية بعد صنعها وعندما سؤاله عن السبب قال بانفعال أنه صنعها من أجل زوجته التي يعشقها إلى حد الجنون،.

وطلب من عبدالرحمن رسم صحراء بداخلها اسم زوجته ليقول لها أن حبه لها ليست له نهاية كأراضي الصحراء الشاسعة، لكنها أخذت الموضوع بحساسية بالغة لأنها عقيمة لا تنجب، فاعتقدت أنه يضفي عليها صفة الجدب التي في الصحراء وغضبت فكان رد فعله تحطيم الآنية.

شراء الزجاجات الصغيرة التي تستعمل كميداليات بداخلها رسم صغير وبسيط لحبيب أو لقريب أو تدوين لتاريخ ميلاد أو زواج، كان يقبل عليه الشباب للذكرى.

أما القطع الكبيرة يكون الطلب عليها من جانب سيدات في منتصف العمر يبتاعونها ليزينوا بها صالونات منازلهن، فهي من وجهة نظرهن بها مؤثرات ضوئية أو لونية تعطى جمالية أكثر، وتكلفتها زهيدة مقارنة بمستلزمات الديكور والانتيكات.

20