الرسام الحقيقي

الاثنين 2015/08/31

يبحث الرسام الجيّد عن المساحات الزائدة في لوحته ليمحوها، أما الرسام الرديء فإن شعورا بالنقص يدفعه إلى إضافة مساحات جديدة إلى لوحته ليخربها، هذا هو الفرق بين الرسام الجيد والرسام الرديء.

لقد قضيت عمري وأنا أراقب الرسامين وهم يعملون، وكانت لحظة اليقين تتحقق حين يرفع الرسام يده عن سطح لوحته ويقول “لقد انتهت”.

الغريب أنني لم أسمع أحدا من الرسامين يقول وهو ينهي العمل في لوحة ما “لقد انتهيت”، لطالما رأيت لوحات كان رساموها قد انتهوا منها فيما كنت أعتقد أنها لم تنته بعد.

كما أنني رأيت لوحات كان رساموها قد أسرفوا في تعبئتها إلى درجة أنها صارت عبارة عن خزانة تضمّ محتويات لا معنى لها. قبل يومين، قبل ساعتين، قبل دقيقتين كانت المعجزة ممكنة، غير أن عيني الرسام خانتا يديه ولم تصدرا أوامرهما بالتوقف.

هناك خيال ليد الرسام، ولكنه لا يعمل إلاّ حين تسلم له العين قيادها، هو أمر نادرا ما يقع.

غالبا ما كنت أرى في لوحات أصدقائي رموزا وضربات وإشارات تقع خارج البناء وبالأخص في الفن التجريدي.

حين أجرؤ أحيانا على أن أسأل صاحب اللوحة “لمَ رسمتها؟”، فيقول لي بتلقائية “لقد شعرت بأن بناء اللوحة لا يكتمل إلاّ بها” وهو شعور مضلل، لأنه محا من اللوحة براءتها وقادها إلى الخضوع لقصدية لم تكن منها.

ولأني أعرف أن الرسامين الحقيقيين هم كائنات وديعة وبريئة، فقد كنت أرثي للبعض ضعفه أمام طلبات المتلقي في أن يرى لوحة ممتلئة. ذات يوم كنت شاهدا على حدث استثنائي، وذلك حين قرر أحد الرسامين أن يخرب واحدة من أكبر لوحاته، بسبب أن صديقا عزيزا كان قد طلب منه مازحا أن يزيد من مساحة البياض في أسفل تلك اللوحة.

كان يقول لي وغلالة الدمع تغطي عينيه “لقد رسمتها كما هبطت”، أما من أين ومتى هبطت؟ فهو ما لم أكن معنيا بهما… كان رساما حقيقيا.

كاتب من العراق

16