الرسام وحياته

ما سها عنه الرسام العربي، أنّ الرسم ليست تقنيته أنْ يرسم بحكم العادة من غير أن ينظر إلى متغيرات حياته.
الاثنين 2019/11/18
الرسام الحقيقي يشتقّ من حياته مفردات رسومه

لغة الشعر العربي ليست هي لغة الحياة اليومية. سعدي يوسف وحده حاول أن يقترب نسبيا بشعره من اللغة اليومية. غير أنها محاولات ظلت مقيدة بتاريخ من الانفصال العميق بين لغتين.

تلك مشكلة ثقافية شاملة ألقت بظلالها على كل الفنون ومنها فن الرسم. فالرسام العربي يعيش انفصالا تاما عن حياته حين يرسم. فلا تعرف من خلال رسومه أي شيء عن حياته، في أي عصر عاش؟ هل كان فقيرا أم غنيا؟ ما المشكلات التي واجهته؟ ما شكل المرأة التي أحبها؟ وغيرها من الأسئلة التي تتعلق بالحياة المباشرة.

من وجهة نظري، وأنا مطلع على تجارب العديد من الرسامين العرب، فإن معظمهم قد فشل في اختراق المسافة التي تفصل بين فنه وحياته، بل إنه لم يحاول القيام بتلك المحاولة. كان فنه في مكان وحياته في مكان آخر.

فالرسام السوري الذي غادر بلاده منفيا إلى أوروبا استمر في الرسم كما لو أنه لا يزال يمشي بين أزقة دمشق. ذلك المثل يصحّ على المئات من الرسامين العراقيين الذين غادروا إلى بلاد الشتات وما زالوا يرسمون كما لو أنهم في بغداد. تلك مفارقة تكشف عن أزمة تتعلق بطريقة تفكيرنا في الرسم. تلك طريقة قاصرة في فهم الرسم والتعرّف على وظيفته في الحياة.

ما سها عنه الرسام العربي، أنّ الرسم ليست تقنيته أنْ يرسم بحكم العادة من غير أن ينظر إلى متغيرات حياته. ولا بد هنا من أن أتذكر الرسام التونسي علي بن سالم. حين انتقل بن سالم إلى العيش في السويد صارت رسومه تحمل طابعا سويديا، فلم يعد يرسم نساء تونسيات كما اعتاد من قبل، بل صارت نساؤه سويديات. أحلامه وحدها ظلت تعيده إلى تونس.

الرسام الحقيقي يشتقّ من حياته مفردات رسومه. فالرسم ليس كالشعر. إنه حياة مباشرة يضعنا الرسام من خلالها في خضم تجاربه الإنسانية التي عاشها. نحن نتعرّف على الرسام من خلال رسومه. 

16