الرسم المزعج: هاشم تايه ومعرض شخصي في البصرة

الأحد 2014/07/06
الفنان ينتج في أعماله علاقات دلالية عدائية مربكة للمتلقي ومثيرة للخيال

“يصنع من المادة الخسيسة بِدَعا تعلو من القيمة وتعلو، وتفعل من قلب الجواهر وتبديل الطبائع ما ترى به الكيمياء وقد صحّت، ودعوى الإكسير وقد وضحت، إلا أنها روحانية تتلبس بالأوهام والأفهام، دون الأجسام والأجرام” (الجرجاني، أسرار البلاغة، ص 317-318).

وأنا أحاول الحديث عن آخر تجارب هاشم تايه في الرسم تلك التي عرضها في البصرة في مقر جمعية التشكيليين العراقيين في البصرة، أستعيد (قول)، وربما (حكم) إليوت بشعر وليم بليك بـ”أنه مزعج كأيّ شعر عظيم”؛ فأقول إن أعمال هاشم تايه في الرسم مزعجة لي تماما، وإذا كان الشاعر يلتمس لإليوت الأعذار والتبريرات التي تلطف حدة حكمه على شعر بليك، فيقول “إن شعر بليك “مزعج لا بمعنى أنه مرضي، أو معقد، أو بارد، بل من حيث أنه يضع قارئه باستمرار فوق هوة العبث والعدم”، فإنني بدوري أعترف أنا أن رسم هاشم تايه مزعج لي كوني أراه عملا تعبيريا عظيما يجعلني في كل مرة في مواجهة حاسمة وقاطعة مع قناعاتي التي شكلتها باطمئنان ودعة طوال عقود من الكد والترتيق وأحيانا من المعارك الحوارية مع الآخرين، فإذا بهاشم تايه يطيح بكل أبنيتي الورقية بأول عاصفة من عواصف معارضه المتلاحقة السريعة التي لا تتيح متسعا لهضمها ضمن نسيج قناعاتنا الساكنة الوديعة.

وهكذا جاءت أعماله، تماما مثلما جاءت في معارضه السابقة، محملة بحشد هائل من الكائنات المشخّصة التي تنتج باقترانها (تشاكلها) الصوري على سطح اللوحة علاقات دلالية عدائية ومربكة للمتلقي فتضع قناعاتنا في الزاوية بعد عقود من التبشير بها، وكأنما نجد أنفسنا في صحراء مقفرة نحاول فيها أن نزرع نبتة دونما قطرة ماء.


تلك الجرائم


كيف يستقيم فهمنا للوحة الفنية بأنها واقعة شيئية مادية باردة أمام ما يقذف به هاشم تايه من ألم وقسوة وعنف يوجهه الإنسان ضد الآخر الإنسان بدم بارد، فمن أين تسنّى لرجل يحمل كل هذا الهدوء أن يلفظ من ريشته كل أولئك الناس المتألمين والناس القتلة بل وتلك الجرائم التي يقنعنا أنه الراوي العليم بكل تفاصيلها، مما يحتّم علينا أن نسبح ضد تيار قناعاتنا الراسخة، إنه إذن لا يقدّم أعمالا معزولة عن العنف وإنما يشكل منظومة من الألم عبر رسم تعبيري يندرج بصعوبة ضمن النسق التقليدي للتعبيرية من جهة، ولا يندرج بسهولة ضمن أي نسق تقليدي مناقض لها والذي يفهم الرسم باعتباره ببساطة مواد معالجة تقنيا على سطح ما، لأنه ببساطة ينتج نمطا آخر مختلفا من الأعمال فيما يخص امتثاله لقواعد الرسم واشتراطاته وقوانينه التي أضحت أرثوذكسية لفرط ثباتها وسهولة تقبلها والإيمان بها من قبل الآخرين…

أعمال مُحمّلة بحشد هائل من الكائنات المشخّصة

إن المظاهر خداعة في أكثر الأحيان، فمازال هاشم تايه يبدو طيّعا وغير متمرد كفاية حينما حوّل تمرده إلى قوانين ما يزال يحترمها ويتخذها قواعد تشكل جوهر استراتيجيا تجاربه، ونحن نعرف كيف يتمّ امتصاص زخم التمردات والثورات حينما تتحول إلى قوانين تفعل البيروقراطية فعلها في إفراغها من دفقها وسَوْرَتِها.


غرائبية المواد


كانت استراتيجيته ولا زالت ذاتها في كل معارضه الأخيرة: الغرائبية، غرائبية المواد التي ينتج منها أعماله، وغرائبية المعالجات التقنية التي يخضع مواده لها، وربما غرائبية النواتج المقصودة أو النواتج العرضية لها، كما أنه مازال يستعيد مراحل النوع داخل تجربته (الآن)؛ فهو مازال يستعيد من ماضي تجاربه عناصر من متحفه البصري الذي شيده خلال عقود، يستعيد لقاه الأركيولوجية البصرية القديمة: تخطيطاته التي قدمها قبل عقود، وكائناته التي ركبها بغرائبية وحرية وخيال جامح لا حدود ولا قواعد يمكن أن تقننه، كما أنه يستعيد تقنياته اللونية ذاتها التي امتلكت بصمة مميزة من معارضه السابقة التي استخدم فيها ألوانا نباتية كان يركبها أيام الحصار في محلات العطارة فإذا هو الآن يستعيد روحها عبر مادة الإكليريك، فيلقي بكائناته في خضم اللطخات اللونية التي تحيطها وتدور حولها وتؤكد خطوطها الخارجية باعتبارها حدودا من يتعداها فقد ظلم نفسه.


الكائنات المركبة


إن الأصل الموغل في القدم لصور هاشم تايه لا يمتد فقط إلى جينات الرسم العراقي حيث الحيوانات المركّبة: الثور المجنح، الغريفات، والحيوانات الأخرى التي تتركب أجسادها من أسود وأفاع وتنانين وحراشف كائنات بحرية، وإنما يمتد إلى جذور لا حدود لقدمها، إلى الأصل الخلاق الذي يدفع بالإنسان إلى اختلاق مثل هذه الكائنات في ذهنه أو على شكل عمل فني (رسم أو نحت)، إنها الطاقة الخلاقة للخيال الجامح التي ورثها هاشم تايه عن أسلافه في كهوف أقصى العالم، لتتحول تلك الصور بين يدي هذا الرسام إلى سير لوعي مادة الرسم التي تتطلب تكثيف المشاركة في التخيل الخلاق..

مواد غرائبية ينتج منها الفنان أعمالا غرائبية


صور غرائبية


إن ما يخلقه هاشم تايه من صور غرائبية مشبعة بإشارات العنف وأدواته تكشف عن جانب معتم داخل الشخصية الإنسانية، وداخل المجتمع العراقي بفعل التأثيرات المدمرة التي أنتجتها الحروب السابقة وما أنتجه الحصار في البنية الاجتماعية وما خلّفته هيمنة قوى ظلامية متخلفة على مقدرات الشعب العراقي ومحاولتها فرض تصوراتها المختلة على المجتمع العراقي وتخريب ما بقي سالما بعد حقبة طويلة من التخريب الموجّه، لذلك تكشف صور هاشم تايه عن الجانب الذي يؤكد غاستون باشلار أنه مازال كما كان معتما ومظلما وغامضا داخل النفس البشرية حينما يؤكد بأننا مازلنا نحمل خوفنا ومشاعلنا التي كنا نحملها أيام الكهوف حتى ونحن نلج سراديب مضاءة بشكل اعتيادي ومبنية وفق أحدث التقنيات الآن..

16