الرسم بالشوكولاتة: فن تتذوقه العين قبل اللسان

رشّاشات كلاشنيكوف افتخارا بمبتكرها الروسي، سيّارات يعود طرازها إلى بدايات القرن الماضي، مجسّمات لعدد من زعماء العالم كباراك أوباما وأنجيلا ميركل وفرنسوا هولاند، وقوالب كتب عليها: “فلنصنع الحب بدلا من الحرب”.. تلك ليست أعمالا فنيّة كسائر ما يتداول في موسكو، فلا يمكن لمن يقتنيها أن يتأكّد من أنّها مصنوعة من الشوكولاتة إلاّ بعد تذوّق طعمها.
السبت 2015/05/16
المقبلون على اقتناء هذه التحف الفنية غالبا ما لا يصدقون أنها مصنوعة من الشوكولاتة

موسكو - يقول سيرغي، البالغ 8 سنوات، “هذا ليس صحيحا، ما أراه ليس مصنوعا من الشوكولاتة”، وذلك خلال تأمله أحد هذه الأعمال المميزة، لكنه سرعان ما يتذوق العمل لتبدو بعدها البسمة على محياه ويصرح “بلى، هذه حقا شوكولاتة”.

وتقر تاتيانا، مسؤولة المبيعات في متجر ألبسة في موسكو، بأنّ قريبها الصغير “يتحقق” للمرة العشرين من طبيعة ما يراه وإمكانية ألا يعدو كونه ديكورا لا أكثر.

وتروي تاتيانا، المنحدرة من موسكو والبالغة 35 عاما، “زملائي أهدوني لوحة مشابهة لكن على شكل مزهرية بمناسبة اليوم العالمي للمرأة في الـثامن من مارس، كان ذلك رائعا.. أدركت على الفور أي هدية سأقدمها لسيرغي في عيد ميلاده”.

ويلقى الرسم بالشوكولاتة رواجا في الغرب منذ فترة طويلة، لكنّه لم يشق طريقه للشهرة على نطاق واسع في روسيا إلا في السنوات الأخيرة.

ومع أن هذه التقنية لا تزال تستخدم، وخصوصا في فرنسا، فإنّ محبيها في روسيا يسعون إلى رفعها إلى مصاف الفنون الجميلة.

وتقول إيرينا إيلداخانوفا، صاحبة شركة كونفايل الروسية المؤسسة سنة 2001 والحائزة الوحيدة على ترخيص في روسيا لتنفيذ لوحات من الشوكولاتة، “إننا نعتبر لوحة الشوكولاتة عملا فنيا مصنوعا بالاستعانة بمادة رائعة”.

من جهته، يلفت فيتالي بونوماريف، الفنان المتخصّص في الرسم بالشوكولاتة داخل هذه الشركة، إلى أن لوحة من هذا النوع “تسمح بالتعبير بشكل رائع عن الأحاسيس”، لأن الشوكولاتة “غالبا ما ترتبط بانتظار عيد أو بالحب والفرح”. ويستعين بونوماريف بالشوكولاتة البيضاء الممزوجة بمحلول للتفاح أو الليمون أو الكرز للحصول على ألوان طبيعية قوية. وعندما يكون ذلك غير كاف، يمكنه اللجوء إلى ملونات غذائية للحصول مثلا على اللون الأزرق.

1400 دولار هو السعر الذي قد يبلغه بعض أنواع لوحات الشوكولاتة

وبعد إنجازها بعناية كبرى بالاستعانة بالأصابع أو بملعقة صغيرة على قالب كبير للشوكولاتة البيضاء، تجمد اللوحة سريعا. ولذلك تبقى على لوح مسخن، كما أن الفنان لا يحق له التفكير كثيرا كي لا يجد نفسه من دون عدّة عمل، وفق بونوماريف.

وفي هذا السياق، يشير إلى أنّ إنجاز لوحة من الشوكولاتة يستغرق بين يوم وثلاثة أيام، ومعدل زنتها يبلغ 1.5 كلغ، كما يصل عرضها إلى 75 سنتيمترا.

وحالما تنجر اللوحة، يمكن أكلها في اللحظة نفسها أو تذوّقها بكلّ أمان خلال السنة أو تزيين المنزل على مدى عشر سنوات، إذا ما تمّ احترام الإرشادات المتعلقة بدرجات الحرارة المناسبة للحفظ، وفق إيلداخانوفا.

هذه اللوحات المصنعة في روسيا، منذ 12 عاما، لطالما صنّفت كهدايا فاخرة ولها زبائن من النخبة، بينهم العائلات المالكة في أوروبا والشرق الأوسط، إضافة إلى مسؤولين سياسيين ونجوم رياضيين. وتخبر إيلداخانوفا بأن أحد المدعوين إلى زفاف الأمير وليام وكيت ميدلتون، سنة 2011، طلب إنجاز رسم للثنائي مصنوع من الشوكولاتة، سعيا منه إلى تقديم هدية مميزة يمكن منحها “على أعلى المستويات”.

ومن بين الأشخاص الآخرين الذين تلقوا بورتريهات لهم مصنوعة من الشوكولاتة هناك البابا الفخري بنديكتوس السادس عشر، والرئيس الأوكراني السابق ليونيد كوتشما، وأحد مشايخ المملكة العربية السعودية. لكن في السنوات الأخيرة، تجذب اللوحات المصنوعة من الشوكولاتة عددا متزايدا من الروس العاديين رغم سعرها الذي يراوح بين 500 و1400 دولار.

الجدير بالذكر أنّ انهيار سعر صرف الروبل لا يؤثر كثيرا في مبيعات هذه اللوحات التي لم تسجّل أي تراجع، بل “حققت ارتفاعا طفيفا” منذ بداية الأزمة العام الماضي حسب إيلداخانوفا. ولا تكشف شركة كونفايل عن حجم مبيعاتها، إلا أنها تنجز شهريا ما بين 10 و30 لوحة كلّها مصنوعة على الطلب، سواء عن طريق الإنترنت أو في متاجر. وتعتزم الشركة تأسيس فروع لها مستقبلا في الإمارات العربية المتحدة والصين.

وتلفت إيلداخانوفا إلى أن “الرجال يحبون كثيرا البورتريهات، في حين تطلب الشركات رسما لمبانيها.. الأمر له بعد رمزي: الحياة في شركتنا ستكون حلوة كطعم الشوكولاتة”. لكن الشائبة الوحيدة هي أن هناك من “لا يصدقون أن اللوحات مصنوعة من الشوكولاتة الحقيقية” عند تلقيهم لوحات كهدية، لذا “يحاولون شمّها قبل تذوقها، حتى أنهم يكسرون قطعا صغيرة منها”، نظرا لدقّة تفاصيلها التي لا تنبئ بأنها مصنوعة فعلا من تلك المادة اللذيذة.

20