الرسم على وجوه الأطفال يمنحهم فرحا مؤقتا متبوعا بمعاناة لسنوات

في الوقت الذي تحظر فيه دول أوروبية كثيرة بيع الألوان المستخدمة في الرسم على وجوه الأطفال، تتحول تلك الرسومات إلى مهنة في بعض الدول العربية، كونها لا تعتمد على مهارات أو إمكانيات حقيقية.
الخميس 2016/01/21
الرسم على وجوه الأطفال شر لا بد منه

القاهرة - أصبح معتادا في الكثير من الأماكن الترفيهية والنوادي أن يستوقفك إعلان جذاب لإغراء الأطفال بالرسم على وجوههم، ثم تراهم بعد ذلك مصطفين حول رسام يسلمونه وجوههم وتذكيره بالشكل الذي يرغبون في أن يكونوا عليه، وهو بدوره يستمتع بتحويل الوجوه إلى قطط وفراشات وشخصيات كرتونية.

الظاهرة لم تقتصر على فئة عمرية محددة بل أضحت “تقاليع” يقوم بها الصغار والكبار، دون دراية بحجم المخاطر الصحية التي تنطوي عليها، حيث أكدت بعض الدراسات بموجب تحليل مكونات المواد المستخدمة في الرسم، أنها تحتوي على مادة الرصاص بما يفوق حد الأمان 30 مرة، وأن الفرحة الغامرة التي ترتسم على وجوه الأطفال لدقائق أو ساعات، قد تتحول إلى معاناة تدوم سنوات.

الغريب في الأمر ما رصدته “العرب” من آراء حول انتشار تلك الظاهرة، فمع أن قطاعا كبيرا من الأهالي يدركون مخاطرها، إلا أنهم لا يستطيعون منع أطفالهم من خوض التجربة وتكرارها، زاعمين أنها “شر لا بد منه”.

حيرة الأمهات بين رسم البهجة على وجوه الأبناء وما ينتج عنها من أضرار صحية وصفتها عزة سليم (ربة منزل) لـ”العرب”، بأنها “مؤامرة على صحة الأطفال العرب”. عزة قالت، ربة المنزل تقع بين خيارين إما أن تمتنع تماما عن النزول بأبنائها إلى النوادي والمطاعم، أو أن تستجيب للضغوط وتلبي المطالب، فهي لا تستطيع أن تحتمل بكاء وصراخ أطفالها من أجل الحصول على متعة وقتية، خاصة في الأعياد والحفلات التنكرية والكرنفالات.

وجدير بالذكر أن المسألة لا تتوقف عند حد الصراخ والعويل، بل تتجاوز ذلك إلى التأثير النفسي الذي يكون بداية لعلاج طويل الأجل.

وأوضحت مي سعيد طبيبة تخاطب أطفال لـ”العرب”، أن منع الأطفال من خوض التجربة أسوة بأقرانهم يجعلهم دائما في حالة حزن وكآبة ويشعرهم بالدونية، لكونهم لا يستطيعون تحقيق رغباتهم مثل الآخرين.

منع الأطفال من خوض التجربة أسوة بأقرانهم، يجعلهم دائما في حالة حزن وكآبة ويشعرهم بالدونية

ومن خلال علاجها لأكثر من طفل، قالت مي إن هذه الرسومات كانت حافزا لكي يستجيبوا للعلاج، فمنهم من فضّل رسم شخصيات كرتونية مثل "سبايدر مان" و"بات مان" وغيرها من الأشكال، وهناك من الفتيات الصغيرات من فضلن رسم فراشة وعصفور بأجنحة أو قطة بعينين واسعتين.

لكن أحمد محمد حامد (صيدلي) اعترض على الالتفات إلى الجانب النفسي عند منع ضرر أكبر وأخطر عن الأطفال. وقال لـ”العرب” النتائج أثبتت بعد تحليل مختبري لبعض الأصباغ المستخدمة في تلوين الوجوه، أنها تحتوي على مادة الرصاص السام.

وتكمن خطورة الرصاص علميا في قدرته على التراكم في النسيج العصبي للأطفال، ما يؤثر على المخ والكليتين والأعصاب، وربما يتسبب في حدوث فقر دم وضعف في حاسة السمع لديهم واضطراب نموهم، وقد تمتد الآثار السلبية إلى الرئة، لأن استنشاق الرصاص يهيّج القنوات التنفسية.

ونصح الأهالي بالتأكد من مصدر الألوان وأن يكون مصرحا بها من قبل لجنة المستحضرات الطبية بوزارات الصحة في الدول العربية المختلفة، حرصا على سلامة الأطفال.

وبدورها عقّبت مروة حسن كيمائية بإحدى شركات الأدوية الكبرى في مصر، على ذلك قائلة لـ”العرب”، إن المستحضرات تخضع إلى التحليل للتيقن من مطابقتها للمعايير الدولية، ولا يتم طرحها بالأسواق وإعطاء تصاريح ببيعها قبل التأكد من أنها آمنة على البشرة. وأشارت إلى دخول العديد من تلك المنتجات إلى البلاد دون المرور على وحدة المواصفات والمقاييس، بالتالي لا تخضع لاختبارات معينة، ومعيارها الأساسي الربح المادي، بغض النظر عن الأمراض التي تنقلها.

الرسم على الوجه يجب أن يتم من خلال فرشاة ناعمة ونظيفة، وأن تكون هناك فرشاة خاصة بكل طفل، لتجنب نقل الجراثيم والالتهابات

وبتجولها في الأسواق التي ينتشر فيها بيع تلك المنتجات، وجدت “العرب” أن بلد المنشأ لمعظمها يظل مجهولا، ولا توجد نشرات إرشادية صحية توضح مكوناتها أو مدة صلوحيتها، حتى أن بائعي المستحضرات لا يمتلكون معلومات دقيقة عما يعرضونه.

وتجدر الإشارة إلى أن ما يطلق عليه دهانات الرسم على الوجه تتسبب في حساسية تظهر في صورة التهاب موضعي حاد ومؤلم تصاحبه حكة.

وقال محمد الحريري أستاذ الأمراض الجلدية لـ”العرب”، إنها تحتوي على مواد كيميائية تضر البشرة، وهناك شروط عامة يجب اتباعها، منها تكوّن الألوان الصالحة للاستعمال البشري، والتأكد من تاريخ الصلاحية. وفضل أستاذ الأمراض الجلدية الألوان المائية لسهولة إزالتها بالماء والصابون، وتجربة الدهان قبل استخدامه بيومين عن طريق وضع قدر ضئيل منه على الذراع، وهو ما يساعد على تجنب آثاره الضارة على البشرة. ويرى الحريري أن الرسم على الوجه يجب أن يتم من خلال فرشاة ناعمة ونظيفة، وأن تكون هناك فرشاة خاصة بكل طفل، لتجنب نقل الجراثيم والالتهابات.

أوضحت نورهان كرم، وهي مدرسة بكلية التربية الفنية لـ”العرب”، أن الشكوى والتحذيرات من الرسومات لم تظهر إلا في العصر الحديث، مؤكدة أن فن الرسم على الوجوه والرؤوس والأجساد ليس تقاليع جديدة، فقد كشفت الدراسات الأنثروبولوجية أن جذوره تمتد للآلاف من السنين، خاصة عند بعض الشعوب الأفريقية. وأخذت شكل الخطوط العريضة بغرض التمويه في رحلات الصيد وحتى لا تنتبه الحيوانات لوجوه الصيادين، والاختباء وراء الأشجار حتى لا يلاحظ وجودهم الأعداء في وقت الحرب.

وقد تطورت بأشكال تدريجية مختلفة حتى وصلت إلينا اليوم على هيئة رسومات جميلة تزرع البسمة على وجوه الأطفال، والمشكلة أنها في الماضي كانت تصنع من مواد طبيعية، والآن تدخل المواد الكيميائية في تصنيعها. لذلك تنصح نورهان الأمهات بالعودة إلى الطبيعة وعمل الألوان في المنزل، من خلال إضافة “لوشن” مرطب إلى دقيق ذرة مع ألوان الطعام الموجودة في السوبر ماركت أو محلات العطارة ومزجهما بماء الورد واستخدامها في تلوين الوجه، لكي يتمكن الأطفال من الحصول على رسومات ترضيهم بأقل قدر من الضرار الصحية.

21