الرسم لدى عمالقة النهضة إشباع لعبقرية الذهني واليدوي

الاثنين 2014/03/24
لوحة "سيكستين" لمايكل أنجلو

باريس- ظلت الرسوم بعيدة عن عيون الناس، محفوظة لدى هواة الفن، أو في مخازن تجار سوقه، أو في خزائن المتاحف، ونادرا ما يتاح عرضها للجمهور، لذلك مثّل معرض رسوم القرن السادس عشر الإيطالي بمتحف الفنون الجميلة في مدينة رين الفرنسية حدثا بارزا نوّهت به وسائل الإعلام، واستقبله الهواة بترحاب كبير.

أغلب الرسوم التي يملكها المتحف مصدرها تشكيلة رجل من القرن الثامن عشر يدعى الماركيز دو روبيان (1756/1698)، وهو بورجوازي كان قد ترأس البرلمان في مقاطعة بريطانيا الفرنسية، وجعل في قصره جناحا للآثار والتحف القديمة والمؤلفات في تاريخ العلوم الطبيعية فضلا عن الأعمال الفنية، وكان يزوره بانتظام كبار علماء أوروبا في عصر الأنوار. في عام 1791، ونيران الثورة مشتعلة، وقع الاستيلاء على ممتلكاته، فيما استأثر متحف المدينة بلوحاته، التي تعدّ الآن مفخرة هذا المتحف.

يكتسي الرسم قيمته من كونه رهانا ذهنيا، فليس من السهل تمثّل كتلة من الأشياء الملونة، باستعمال خطوط لا وجود لها في الطبيعة، على مساحة رهيفة مسطحة، أو تثبيت رؤى ذهنية بلون أسود أو سواه على بياض الورقة. وأيا ما تكن غرابة لغته الكونية فهو في نظر العارفين رحم الفن. يقول الشاعر الفرنسي بول فاليري عن ولع إدغار دوغا بالخطوط: “قد يكون الرسم أكثر غوايات الذهن هوسا”.

وقد كان تشنّينو تشنّيني (1370 /1440) أول من ميّز بشكل جوهري بين الفكرة والتنفيذ، بين الرسم الذهني (المتخيل) والرسم اليدوي (التطبيق). ومنذ ما عرف بالكواترو تشنتو، أي القرن الرابع عشر الإيطالي، الذي يفتتح به المعرض الحالي، صار الرسم في صميم الخلق الفني.

وعمالقة النهضة الثلاثة، ليوناردو دا فينتشي ومايكل أنجلو ورافاييل، كانوا في الأصل رسامين بارعين، وإن كان لكل واحد منهم مقارباته الخاصة وتأملاته وتساؤلاته.

فليوناردو (1452 /1519)، في بعض ما كان يبديه لخاصّته من وصايا، ينصح بترك الاندفاع اللاواعي. ذلك أن فنه يعيد التوازن بين الخط واللون من أجل تعديل ألوان التقاطيع والحوافّ بشكل أكثر انسجاما، كما يتبدّى في دراساته عن أقمشة الجوخ، ليؤالف بين الحركة والسكون، بين الفضاء والمساحة، بين المقدس والدنيوي، مؤالفة تبدو طبيعية ومنطقية، لا يشوبها نشاز.

أما منافسه مايكل أنجلو (1475 /1564)، فهو يتوسل بالرسم في كل جنس فني مارسه ببراعة فائقة، فقد كان الرسم بالنسبة إليه مشغلا أساسا يُعِدّ من خلاله تصوراته ورؤاه بجهد دؤوب، يفوق أحيانا ما يخصصه للأثر نفسه، وقد راكم من الرسوم والتخطيطات كميات هائلة، حتى أنه أتلف ما يحويه مشغله مرتين، ليزيل أثر عمله التحضيري الشاقّ.

وكان يستعمل الريشة، ليرسم خطوطا حادة قاطعة يثبت من خلالها الشكل ويبث في طبقات الورق قوة حيوية كما هو الشأن في “دراسة عن رجل من الخلف”. فيما استعمل في دراساته عن كنيسة سيكستين الحجر الدموي الذي يسمح في الوقت ذاته بالإحاطة بمجمل التقاطيع والحفاظ على رقتها، قبل أن يهجره إلى الحجر الأسود في أعماله الأخيرة الأكثر روعة وفتنة.

وأما رافاييل (1483 /1520) الذي لا يقل عنهما تعطشا لما يسمى بالعمل “غير المكتمل” non-fini، فهو يراوح بين الحجر الدموي والحجر الأسود و”اللافيس" ومنقاش الرسم الفضي، ليخلق حوافّ لينة متموجة تنشر ضياء يعكس المثالية الكلاسيكية في أبهى مظهرها، كما يتجلى ذلك في “حامل الراية” مثلا. قال عنه بيير جان مارييت (1694 /1774): “ما يميزه عن سواه، هو أن الآخرين يلقون على الورق بأول ما يخامر أذهانهم، فيبدو لمن يتأمل رسومهم أنهم يبحثون عن ضالتهم. أما رافاييل، فهو بالعكس ينتج منذ اللمسة الأولى أعمالا هي غاية في الاكتمال، بحيث لا يحتاج بعدها إلى إضافة أيّ شيء”.

يقول مؤرخ الفن فرنسوا كولون: "خلافا للأعمال المكتملة، تعتبر الرسوم دراسات تحضيرية غير معدّة لأن تعرض للعموم. لذلك فهي مصوغة بكثير من العفوية والصدق. فيها نجد الوجه الحقيقي للفنان، إذ يتوصل، بشيء من الاقتصاد في الوسائل مع بعض اللمسات التصويبية والتعديلات repentirsles، حسب العبارة الرائجة، إلى منح موضوعه حياة تلامس الامتياز".

وكدليل على أن تلك الظاهرة لم تكن معزولة، بل كانت مقاربة أساسية يلتقي فيها فنانو ذلك العصر، تُعرض، إلى جانب رسوم العمالقة الثلاثة، أعمال مماثلة لروائع صاندرو بوتيتشلّي وأندريا ديل فيرّوكيو وأندريا ديل صارتو وإيل كورّيدجو ودومنيكو ديل غيرلندايو ولورنتسي دي كريدي، كشهادة على أن ذلك الفن كان ولا يزال المؤشر الأكثر دلالة على شخصية الفنان، فهو بمثابة الخط أو التوقيع الذي يكشف هوية صاحبه.

وبعد أن كان أساس الفن التشكيلي والنحت والنقش وقاعدتها الأولى، سواء من حيث تربية الفنان على تملك أدواته أو من حيث تكوّن عمله وتشكّله، اتخذ الرسم هيئة حركة أصلية متجذرة في أعماق الفنان، و”لمسة” ذات عناية مخصوصة وطابع متفرد، تتبدى رهيفة مترجرجة حينا أو شبقية عنيفة حينا آخر، لتحمل أثر الخاطرة الأولى التي تبدر في الذهن.

16