الرسم معرفة

الاثنين 2017/09/25

لا يقبل الرسامون العرب اليوم أن يقال لهم إن العالم واسع، معرفة ذلك العالم تحتاج إلى جهد جبار قد لا يقوى المرء عليه في حياة واحدة، الرسم هو الآخر عالم لا حدود له.

أن تكون رساما ذلك معناه أن تتخلى عن محليتك، هوية الرسام الحقيقية تستلهم عناصرها من التماهي مع سعة ذلك العالم، لم يعد للمحلية مكان في الإبداع، المحلية قفص مظلم، مغلق على عناصره. في الحقيقة لم يكتسب فنان شهرته بسبب محليته، هل كان بيكاسو إسبانيا؟ الرسام الذي اقتحم الفن بقوة ثور إسباني كان أفريقيا وإغريقيا وفرعونيا وصينيا وعربيا في الوقت نفسه.

بيكاسو معاصرنا سيكون معاصرا لأجيال ستأتي بعدنا، سر خلوده يكمن في أنه رأى كل شيء، مثلما فعل جلجامش في الأسطورة السومرية، لا بأس أن نذكر بأن جده آدم عرف الكلمات كلها التي عرضتها عليه الملائكة.

الرسم معرفة، وهو ما يعني أن علينا ألا نكف عن التعلم، هل هناك صعوبة في تعلم ذلك الدرس الذي صار متاحا؟ أعتقد أن ثقافتنا التقليدية تقف حائلا دون أن يتمكن الرسامون من القفز على الحاجز الذي يقف بينهم وبين رؤية العالم كما هو.

لا تزال الهوية بملمحها القديم تلح عليهم بطريقة أخلاقية كما لو أنها وصية تعهدوا بأن يكونوا أوفياء لها، ليست هناك مشكلة لو أن الرسامين العرب كانوا حريصين على تكريس فن جدودهم ولكنهم في الحقيقة يرسمون حكاياتهم وأماكن عيشهم وأشعارهم بطريقة استعاروها من الرسم الغربي.

بطريقة أو بأخرى سيكون علينا الاعتراف بأن لا وجود للفن العربي، لم تكن المحلية سوى كذبة، كان على الرسامين العرب أن يطوروا ما تعلموه من الغرب.

الرسم في العالم الغربي هو الحقيقة الوحيدة التي نعرفها في هذا المجال، أما أن نستمر في الكذب على أنفسنا من أجل الإخلاص إلى وهم هويتنا، فذلك معناه الاستمرار في ضرب الحائط برؤوسنا الفارغة.

كاتب عراقي

16