الرسم من الشرفات العالية: غوستاف كاييبوت نصير الانطباعية

الأحد 2014/06/29
توثيق باريس انطباعيا ديدن الفنان كاييبوت

باريس - مرة أخرى تعود الانطباعية إلى الواجهة، ويُحتفى بها إما كحركة فنية متميزة، وإما في شخص أحد أعلامها البارزين، وعادة ما يتم ذلك في متحف من المتاحف. هذه المرة، يُخصص معرض فني من 5 أبريل الماضي إلى 20 يوليو القادم لغوستاف كاييبوت (1848 – 1894) ولكن في البيت الذي شهد نشأته وتفتّق مواهبه، ويحتوي على مجموعة كبرى من أعماله، من بينها ثلاث وأربعون لوحة أنجزها في بيته هذا بضاحية اليير جنوبي باريس.

درس غوستاف كاييبوت الهندسة، وولع بالرسم فالتحق بمدرسة الفنون الجميلة بباريس حيث تتلمذ على ليون بونّا، وتعرّف منذ العام 1874 على إدغار دوغا وكلود مونيه وبيير أوغست رونوار، وساعدهم في العام نفسه على تنظيم أول معرض للانطباعية التي لم تتشكل بعد كحركة متكاملة. ذلك أن كاييبوت من أسرة ميسورة كوّنت ثروتها من تجارة النسيج ثم من الممتلكات العقارية زمن البارون هوسمان الذي أعاد تهيئة باريس على طراز ها الحالي.


عازف البيانو


كان في الثانية عشرة من عمره عندما اختار أبواه تلك الضيعة الواقعة على ضفاف وادي اليير مقرّا للإقامة الصيفية. وقد وجد فيها كل ما تتوق إليه نفسه من هواء طلق وضوء مشرق ونسيم عليل وصداح طيور وخرير واد تمخر عبابه المراكب وتقام على عدوتيه أماسي الاستجمام. في ذلك الموقع البديع بدأ يعانق الرسم، ودأب على التقاط كل ما يحيط به من مناظر خلابة لا تعدمها الضيعة، وبالتحاقه بمدرسة الفنون والتقائه برسامين شبّان تجمعهم رغبة التمرد على الأنماط الأكاديمية وتقديم ثيمات معاصرة، أمكن له أن يطور تجربته ويبدع أعمالا ذات أسلوب متفرد، ولكنها لم تلق ما كان يأمله من استحسان، فقد رفض الصالون الرسمي عرضها عام 1875، ما دفعه، بتشجيع من رونوار، إلى تحويل وجهتها إلى المعرض الثاني للانطباعيين الذي أقيم 1876. هناك شارك ببعض أعمال أهمها “شاب يعزف على البيانو”، “شاب عند نافذته”، “غداء”، “بعد الغداء” وخاصة لوحة «سحّاجو الأرضية الخشبية”، فصار وفيا لذلك المعرض يحرص على تنظيمه وإنجاحه حتى دورته السابعة، بالمساهمة الفنية، والدعم المادي بفضل ما ورثه عن أبيه عام 1873.

اليوم تعتبر اللوحات التي رسمها كاييبوت في بيت أهله بمنطقة اليير جزءا هاما من الثورة الفنية التي صنعها الانطباعيون

لم تنل أعماله تلك رضا إيميل زولا رغم وقوفه مع الانطباعيين، إذ عاب عليها وضوحها الشفاف وإفراطها في تصوير الواقع بأدق تفاصيله، ثم تغيرت نظرته بتطور أدوات كاييبوت الفنية، فقد كتب يشجعه في المعارض اللاحقة، ثم أثنى عليه في آخر معرض انطباعي شارك فيه عام 1880 بقوله: “السيد كاييبوت فنان مثابر، في سَبكِه بعضُ جفاف، ولكنه يملك جرأة الأعمال الكبرى، ويداوم البحث بمنتهى الصرامة”.


شرفات مرتفعة


ترك كاييبوت ما يقارب خمسمائة لوحة صاغها بأسلوب أكثر واقعية من أسلوب أصدقائه الانطباعيين، وبرع خاصة في تصوير مشاهد من شوارع باريس كان يلتقطها من الشرفات المرتفعة، ومشاهد من الحياة العمّالية في الضواحي الباريسية، ومناظر طبيعية ممثلة في الحدائق والبساتين، ومناظر مائية سواء على عدوة وادي اليير حيث سكنه ومشغله، ولو في أوقات متباعدة، أو على ضفاف نهر السين عند ضاحية أرجنتوي شمالي باريس حيث يقام سباق الزوارق والمراكب. والمعروف أن كاييبوت كان مولعا بالزوارق، يملك بعضا منها ويعمل على تطوير سرعتها، بل إنه صنع نماذج متطورة فاز بفضلها في مسابقات عالمية عديدة.

الانطباعي كاييبوت بين لوحتين تكشفان عن ولعه بالتصوير المقطعي من شرفة عالية تطل على المشهد

كل تلك الأعمال تبرّع بها كاييبوت للدولة منذ عام 1876، في وصية اشترط فيها ألا تودع أعماله في المخازن أو المتاحف الجهوية بل في متحف لوكسمبورغ ثم في متحف اللوفر، وهو ما رفضه الأكاديميون بعد وفاته عام 1894، في نطاق تصديهم للفن الانطباعي برمّته، بوصفه فنا “غير سليم” على حدّ تعبيرهم. ورغم ترخيص الدولة عام 1896 في اقتناء ما يمكن عرضه في متحف لكسمبورغ من تركة كاييبوت، رفضت المتاحف الوطنية القرار، ولم تقتن بعد جدل حامٍ ترامت أصداؤه حتى منبر مجلس الشيوخ، سوى بعض لوحات لدوغا ومونيه ورونوار وبيسارو وسيزلي، ولوحتين فقط لكل من سيزان وكاييبوت، قبل أن يعترف نقاد الفن ومؤرخوه بقيمة فناني تلك الحركة.


معقل انطباعي


واليوم تعتبر اللوحات التي رسمها كاييبوت في بيت أهله بمنطقة اليير جزءا هاما من الثورة الفنية التي صنعها الانطباعيون، والأعمال المعروضة هنا هي تلك التي رأت النور في هذا المكان، وأشهرها ثلاثيته التي أنجزها عام 1878، وتتكون من “صيد بالصنّارة”، “مستحمون على ضفاف وادي اليير”، مجذافيات على اليير”، فهي تلخص فنه وتفصح عن فلسفته. وبإمكان الزوار أن يجولوا في الضيعة للوقوف على الأماكن والعناصر والموجودات التي نقلها إلى القماشة.

لقد صارت الضيعة منذ 1973 ملكا لبلدية اليير، التي قامت بترميمها وتهيئتها كما كانت في عهد كاييبوت، حيث بيته الأبيض الكبير، وضيعته التي كان يسميها “الضيعة المزينة”، وغابة البرتقال، ومكان حفظ الثلج، وبستان الخضر، والمتنزه الشاسع المحاذي للوادي. هذه الملكية وقع تسجيلها ضمن “المعالم التاريخية” لأنها، على غرار بيت مونيه بجيفرني، معقل هام من معاقل الانطباعية.

15