الرسم مهنة عاطفية

شغف عبدالأمير علوان برسم مشاهد من بغداد قديمة، وبالرغم من غزارته فإنه لم يرسم مشهدا سبق أن رسمه من قبل بالطريقة نفسها.
الاثنين 2020/10/12
الفن حرفة يومية (عمل تجهيزي لوروبرت راوشنبرغ)

"ليس الرسم مهنة" جملة لطالما سمعناها وكانت ثقافتنا المتعالية على الواقع تصر على إضفاء طابع القداسة على كل ممارسة إبداعية. ولكن ما الذي كان يفعله الرسامون الكبار وهم يرسمون؟

رسامو عصر النهضة ورسامو عصر الباروك وفي مقدمتهم رامبرانت وفيلاسكز ومن ثم رسامو العصور التي تلت. مونيه ولوتريك ورينوار وفان غوخ وسيزان ويليهم رسامو العصر الحديث بيكاسو وماتيس وبراك وميرو، وصولا إلى جاسبر جونز وجاكسون بولوك وروبرت راوشنبرغ.

كلهم لم يكن لديهم ما يفعلونه سوى الرسم. كان الرسم هو مصدر رزقهم. تلك جملة لو قلناها لكانت بمثابة إيذانا لطردنا من الحضرة المقدسة.

كان رسامونا يومها يعملون في مهن أخرى من أجل الرزق. لم أر في حياتي السابقة في بغداد رساما يعيش من الرسم إلاّ عبدالأمير علوان. كان الرجل عصاميا. تعلّم الرسم بالأصباغ المائية وحده وأقام مرسمه الشخصي الذي هو قاعة شخصية لعرض أعماله.

لم يكن علوان جزءا من المشهد التشكيلي الرسمي. كان رساما هامشيا، غير أن كل مَن رأى أعماله أدهشته قدرته على التعامل مع الأصباغ المائية التي استطاع من خلالها أن يستخرج مشاهد من بغداد القديمة. لم يفعل علوان في حياته شيئا سوى الرسم. كان متفرّغا للرسم وهو فعل مدهش لم يكن يجرؤ على القيام به أحد. ذلك لأن الرسم في العالم العربي كان ولا يزال لا يشكّل مصدر رزق.

معظم الرسامين الذين عرفتهم كانوا يعملون في مهن أخرى ليعيلوا أنفسهم وعوائلهم. أما عبدالأمير علوان فقد كان الاستثناء الوحيد. لم تكن أسعار لوحاته منخفضة وكان يبيع كثيرا.

شغف علوان برسم مشاهد من بغداد قديمة، وبالرغم من غزارته فإنه لم يرسم مشهدا سبق أن رسمه من قبل بالطريقة نفسها. كان الرسم مهنته التي استطاع أن يرتقي بها إلى مستوى الإبداع.

وحين انتهت به الحال إلى أن يكون لاجئا بعد الاحتلال الأميركي لم تمسك يده الفرشاة ولم يرسم. لقد فارق بلاده وفارق مهنته معا. لقد صار يفتقد إلى تلك العاطفة التي كانت تشكل جوهرا لمهنته. اعتزل عبدالأمير علوان الرسم إلى أن مات.

16