الرسوم المرتفعة للتخصصات تدفع الطلاب الأردنيين إلى المهن الهامشية

لا يزال ملف الرسوم المرتفعة لبعض التخصصات العلمية في الجامعات الأردنية يثير جدلا واسعا لجهة عدم الموازنة التي يجد أولياء الأمور أنفسهم فيها، بين قدراتهم الضعيفة على الإنفاق من ناحية ومن ناحية أخرى ما يتطلبه سوق الشغل بالنسبة إلى بعض التخصصات التي تكون أوفر حظا، وبين هذا وذاك يظل الطالب، خصوصا الطلاب اللاجئين، الحلقة الأضعف في نظام تعليمي تعمل المملكة على مراجعته.
الثلاثاء 2017/12/05
ضغوط السعر

عمان - يطرح ملف الطلبة الذين يعانون من رسوم مرتفعة لتخصصات يرغبون فيها وتتناسب مع معدلاتهم داخل الجامعات الأردنية العديد من التحديات بالنسبة لوزارة التعليم الأردنية، فيما يظل العائق الذي يحول بينهم وبين الحصول على تلك التخصصات سعر الساعة الذي يتجاوز قدراتهم المالية.

ويقر باحثون وأكاديميون في الأردن بأن الطالب الذي يسجل في برنامج التنافس أو الموازي يتعرض لأزمة تسديد رسوم السنة الدراسية من ناحية ومعضلة التخصصات المشبعة في سوق العمل من ناحية ثانية.

ويفسّر خلف الطاهات، نائب عميد كلية الإعلام في جامعة اليرموك، ذلك بغياب استحداث تخصصات جديدة تواكب متطلبات سوق العمل وتمكّن من معالجة معضلة الخريجين لتأمين فرص عمل.

وقال الطاهات إن “هناك جملة من الأسباب أهمها غياب التخطيط الحقيقي لقراءة مخرجات التعليم العالي واستمرار إغراق الساحة المحلية بمخرجات تنتمي إلى تخصصات تقليدية هدفها الحصول على شهادة علمية دون حاجة فعلية إلى سوق عمل، مما أدى إلى تراكم حملة الشهادات”.

وفي خطوة مفاجئة أقدمت إدارة كلية الهندسة التكنولوجية “البوليتكنيك” التابعة لجامعة البلقاء التطبيقية خلال العام الدراسي الجاري على منع عدد من طلبتها من أداء امتحانات منتصف الفصل الأول “الميد”، بحجة عدم استكمالهم دفع الرسوم الدراسية.

وطالبت حملة “ذبحتونا”، وهو تجمع طلابي يدافع عن حقوق الطلبة ويطلق عليه أيضا “الحملة الوطنية من أجل حقوق الطلاب”، إدارة الكلية بوقف هذا الإجراء غير المسبوق والذي يعكس سيطرة العقلية المالية وتغليبها على حساب العلم.

واعتبرت الحملة أن قيام إدارة الجامعة بطرد الطلبة من قاعة الامتحانات أمام زملائهم بحجة عدم استكمال دفع الرسوم الجامعية، يتناقض تماما مع الهدف الذي أنشئت من أجله الجامعات الرسمية.

ويرجع أكاديميون الأسباب الحقيقية وراء تواصل هذه الأزمة إلى عملية مراجعة نظم التعليم العالي في الأردن، خصوصا داخل الجامعات الخاصة، حيث أنها لا تقوم بما يكفي من تنسيق مع أصحاب سوق العمل ورؤساء الجامعات وديوان الخدمة المدنية لمراجعة التخصصات الراكدة والمطلوبة لاتخاذ ما يلزم من قرارات.

إدارة كلية الهندسة التكنولوجية منعت عددا من طلبتها من تقديم امتحاناتهم بحجة عدم استكمالهم دفع الرسوم الدراسية

وفي هذا المستوى يقدم الطاهات شرحا مفصلا لمستوى الرفع في الرسوم الذي يسجل بشكل دوري في الجامعات الأردنية، حيث يقول “أعتقد أن الجامعات الحكومية لا تميل إلى رفع الرسوم الدراسية، لكن ذلك ينسحب على الجامعات الخاصة لأن الاستثمار في التعليم بالنسبة إليها تجارة”.

ويقر متابعون للشأن التربوي في الأردن بأن الرسوم الدراسية للجامعات الحكومية تكون مقبولة، وهناك جامعات حكومية عمرها يمتد إلى أكثر من أربعين عاما، لا يزال الكثير من تخصصاتها يكلف أقل من 10 دولارات أميركية (8 دنانير للساعة).

ويرى هؤلاء أن ما يحصل في الحقيقة أن بعض الجامعات الحكومية تقوم بمراجعة الاعتماد العام والخاص لبعض برامجها بناء على طلب التعليم العالي، وهذا يتطلب حلولا جديدة أكثر كلفة من السابق، وهو ما يدفع بعض الجامعات إلى رفع نسبي معقول لساعات التخصصات التي يتم اعتمادها حديثا لتغطية النفقات.

وبخصوص معاناة الخريجين من ضعف التطبيق عند انطلاقهم إلى سوق العمل، يؤكد نائب عميد كلية الإعلام في جامعة اليرموك الأردنية أن “خريج الجامعة الجديد يعاني من ضعف تطبيقي لأن الكثير من التخصصات العملية للأسف يتم تدريسها في سياقات نظرية مملة للطالب. والسبب الرئيس في ذلك أن آليات تعيين أعضاء هيئة التدريس لا تأخذ بعين الاعتبار الخبرة المهنية”.

وقال “بالرغم من أن أغلب توصيفات المساقات المعتمدة في الجامعات وخاصة للتخصصات التطبيقية تتضمن أكثر من 60 بالمئة توصيفا عمليا يتطلب تدريسها بأسلوب تطبيقي لكن الواقع كليا مختلف”.

وأضاف “لهذا تكون مخرجات البعض من هذه التخصصات التطبيقية ضعيفة ويلجأ الكثير من الطلبة إلى الدورات التدريبية بعد التخرج لاستكمال ما لم يستطع بعض أعضاء الهيئات التدريسية غير المؤهلين لتدريس المساقات العملية، أن يمنحوه للطلبة”.

ولا يكاد الحديث في الأردن يتوقف حول مسألة حرمان الطلبة الذين لم يسددوا رسومهم الدراسية سواء على مستوى المدارس أو الجامعات من أداء امتحاناتهم أو حجز شهاداتهم عند تخرّجهم من الجامعات. وقال أحد طلاب كلية الهندسة التكنولوجية “البولتيكنك”، إن الجامعات تفتقد لمراعاة الطالب وظروفه الاقتصادية وتقوم بمساومة حقها بالرسوم بحقه بالدراسة، وهو أمر يشكل عبئا نفسيا ومعنويا على أدائنا الأكاديمي.

وتتواصل لعبة الشد والجذب بين إدارة الجامعات والطلاب كلما اقترب موعد أداء الامتحانات، وفيما يقوم بعضهم بدفع رسوم الامتحانات إلا أن الغالبية من الطلبة، بسبب ظروفهم الاجتماعية، لا يستطيعون توفير هذه المبالغ. ويقول أحد الطلاب “قمنا نحن الطلبة وممثلي الأقسام في كلية الهندسة بلقاء عميد الكلية وتم التراجع عن القرار لكننا نوجه سؤالا إلى المعنيين بالأمر إلى متى سنبقى ندفع ثمن علمنا بهذه التكلفة وهذه الآلية؟”.

وحول هذه الأزمة يقول سليمان العباس دكتور اللغة الإنكليزية في الجامعة العربية المفتوحة “يدور جدل كبير ومتعدد الجوانب حول مسألة حرمان الطلبة الذين لم يسددوا رسومهم الدراسية سواء على مستوى المدارس أو الجامعات من تقديم امتحاناتهم، أو حجز شهاداتهم عند تخرجهم من الجامعات”.

الملف معقدة خيوطه ومترابطة بين العديد من الفاعلين في نظام التعليم في الأردن، لكن الحقيقة التي يخلص إليها الباحثون هي أن هناك مراجعات جذرية تقوم بها الحكومة الأردنية وتجري على أكثر من صعيد لإنهاء أمد أزمة أرهقت الجامعات كما أولياء الأمور.

17