الرشوة تنهش جيوب المرضى في المستشفيات السودانية

حين يستشري الفساد والمحسوبية تنقطع الرحمة والشفقة، فظاهرة الإهمال التي انتشرت بالمستشفيات الحكومية في السودان جعلت المرضى فريسة الإطار الطبي والعمال الذين أصبحوا ينهشون جيوب الفقراء الذين أنهكهم المرض بدل أن يوفروا لهم سبل الراحة والشفاء.
الجمعة 2017/12/08
غرفة مريحة لكنها مكلفة

الخرطوم - بين الطوابير الطويلة في مستشفيات السودان الحكومية والمواعيد البعيدة لتلقي العلاج، يعاني المرضى من سوء الخدمات الصحية، أما المستشفيات والعيادات الخاصة فلا يقدر عليها سوى ميسوري الحال في بلد ترتفع فيه نسبة الفقر ويرتفع فيه عدد الفقراء الذين يعانون من رحلة الموت البطيء.

ومنذ الإعلان عن إلغاء الخدمات الطبية المجانية في المستشفيات الحكومية، والتي استعيض عنها بنظام التأمين الصحي في العام 1994، استمر انهيار قطاع الخدمات الطبية لما يقارب الربع قرن من تراجع لدور المستشفيات الحكومية وتزايد أعداد المرضى وتكدسهم مقارنة بالطاقة الاستيعابية للمرافق الحكومية، والنقص الكبير في الكوادر الطبية نتيجة الهجرة، وعدم تحفيز العاملين في المستشفيات الذي نتج عنه فساد طال العديد من التدابير الخاصة في عملية تقديم الخدمات، هذا بالإضافة إلى تعقيد وعدم إحاطة نظام التأمين الصحي باحتياجات المواطنين من المرضى.

وتمر عملية العلاج في مستشفيات السودان بسلسلة معقدة من الإجراءات الإدارية تبدأ بترسيم المرضى في قائمة الحالات الطارئة وأولوية إجراء العمليات الجراحية لهم.

ونظرا للأعداد الكبيرة من المرضى الذين يحتاجون لتدخل طبي عاجل وقلة الكوادر الطبية التي اختارت الهجرة أو العمل في القطاع الخاص على العمل براتب لا يفي بمتطلبات الحياة، فقد تمتد مدة الانتظار إلى فترات طويلة تبلغ أحيانا أسابيع أو عدة أشهر.

وأمام تعقد هذه الحالة يلجأ ذوو المرضى إلى حيل أخرى تمكنهم من تقديم موعد إجراء الفحوصات وتلقي العلاج، ومن هذه الحيل تقديم رشاوى للمسؤولين في مكتب تسجيل المرضى أو إلى الممرضين أو الأطباء ليتدخلوا لهم في تحديد أجل قريب لموعد الفحوصات والعلاج.

ويقول أسامة الريح، الذي يحتاج إلى عملية إخراج حصى من الكلى في أحد المستشفيات الحكومية ووجد اسمه في آخر القائمة إذ جاء دوره بعد ثلاثة أشهر لإجراء العملية، إن شدة الآلام التي يعاني منها جعلته يحتج على طول فترة الانتظار خاصة وأن مرضه لا يتحمل أن ينتظر أكثر، فأخطره مسؤول بمكتب تسجيل المرضى بأن صلاحيات تقديم التاريخ تتم فقط مع المدير الطبي للمستشفى، ونصحه بألا يتقدم إليه بطلب مباشرة وإنما عبر ممرض معين بقسم الجراحة في المستشفى.

وقابل أسامة الممرض المذكور، والذي بدوره أخطره بصعوبة موافقة المدير الطبي، ووعده بالمساعدة شريطة دفع مبلغ من المال لتسهيل كتابة تقرير يشير إلى حالة المريض الحرجة لإجراء العملية التي تستدعي تقديم التاريخ.

العاملون والممرضون والقابلات في المستشفيات الحكومية في السودان ينتزعون إكراميات من المرضى لقاء خدمات يتقاضون عليها أجرا من الدولة

وقال أسامة إنه اضطر إلى تقديم مبلغ مالي للممرض الذي قام بعدها بكافة الإجراءات والتي تم بموجبها إجراء العملية للمريض خلال أسبوع بدلا من الانتظار ثلاثة أشهر، متقدما على غيره من المرضى في قائمة الانتظار. ولا تتوقف الرشوة عند التسجيل في قائمة المرضى بل تتوسع لتصل القائمين على النظافة وتقديم الخدمات داخل الغرف التي ينام فيها المرضى، ويتغير الاسم من الرشوة إلى البقشيش أو الإكرامية.

ولا تخضع غرف إقامة المرضى بالمستشفيات الحكومية إلى شروط الصحة نتيجة الإهمال وغياب النظافة، حيث تتناثر فيها مخلفات الطعام والأدوية وتمرح فيها القطط، الأمر الذي يدفع المرضى إلى السعي لمغادرتها إلى غرف خاصة مدفوعة القيمة بالمستشفيات الحكومية، والتي يصعب الحصول فيها على سرير نتيجة اكتظاظها، رغم ارتفاع قيمة إيجارها باعتبارها خدمات خارج تغطية التأمين الصحي. وللتحايل على هذه الأوضاع المزرية أضحت الرشوة السبيل الوحيد لتلقي العلاج في بيئة صحية ونظيفة.

وتروي أمال (36 سنة) تجربتها في مستشفى التوليد الحكومي في الخرطوم خلال إجرائها عملية ولادة، حيث وجدت نفسها في غرفة قذرة تنبعث منها الروائح الكريهة مكتظة بالنساء لدرجة وجود مريضتين في سرير واحد، مما دفع بزوجها لتحويلها إلى الجناح مدفوع القيمة، رغم تمتعه بخدمة التأمين الصحي المجاني.

وواجه زوجها صعوبة في توفير غرفة لها، حتى أرشده أحد أصدقائه إلى ضرورة تقديم رشوة إلى المشرفة عن الجناح، فدفع لها مئة جنيه سوداني (حوالي 15 دولارا أميركيا) قبل أن يدفع معلوم الغرفة.

وينتزع العاملون والممرضون والقابلات في المستشفيات الحكومية في السودان إكراميات من المرضى لقاء خدمات يتقاضون عليها أجرا من الدولة، فتطالب القابلة بالبشارة وبشكل علني نظير إخطار الأهل بالمولود الجديد.

وتطالب عاملات وعمال النظافة في الغرف بدفع مبلغ مالي كـ”البقشيش” مقابل عمليات التنظيف، كما يطالب حارس باب المستشفى الحكومي بمبلغ من المال على سبيل ما يسمّيه (بالإكرامية) للسماح بزيارة المرضى من قبل ذويهم، خاصة خلال الأوقات غير المخصصة للزيارة.

وفي حالة عدم دفع ذلك المقابل المالي الإضافي يحصل المريض على خدمات طبية سيئة وبطيئة، كما يتعرض أهله وزواره إلى الطرد من الغرفة بداعي القيام بالنظافة.

ومن مظاهر الفساد المتفشية في المستشفيات السودانية تحويل وجهة المرضى من قبل الأطباء إلى عياداتهم الخاصة من خلال التنسيق مع الممرضين والموظفين بتسجيل عدد محدود من المرضى للمقابلة بغرض الكشف الطبي والتشخيص في المستشفى، مما يدفع المرضى إلى مقابلة الأخصائيين وتقديم طلب التوجه إليهم في عياداتهم الخاصة ودفع القيمة العالية للمقابلة والعلاج.

وتروي إحدى الموظفات بمستشفى حكومي أن أغلب الأخصائيين يتواجدون ليوم أو يومين في الأسبوع، ويقضون باقي الأيام في عياداتهم الخاصة، لتقوم الموظفة المسؤولة عن تسجيل المرضى، والتي تعمل معه عادة في عيادته الخاصة، بتوجيه المرضى الذين لم يتمكنوا من مقابلة الأخصائي في المستشفى بالتوجه إلى عيادته الخاصة بعد إعطائهم عنوان وأرقام هواتف العيادة.

وللتصدي لعدوى الفساد في المستشفيات الحكومية يتحتم على الحكومة السودانية اتخاذ التدابير اللازمة من خلال الاهتمام ببيئة العمل، وتحسين أجور العاملين بالقطاع الصحي للحد من الهجرة وحتى لا تدفعهم الحاجة إلى مثل هذا النوع من المعاملات الفاسدة في سبيل القيام بمهامهم ومسؤولياتهم الطبيعية، هذا فضلا عن تخصيص الميزانيات الكافية للقطاع الصحي الحكومي مقارنة بما تصرفه الدولة على قطاعات أخرى مثل الأمن.

20