الرصافي بين احتلالين وفلوجة واحدة محاصرة

الأحد 2016/04/24
عراقي يطلقون الرصاص على تمثاله في بغداد بعد موته بسبعين عاما

بغداد - ليست المرة الأولى التي يُطلق فيها الرصاص على جسد الرصافي في ساحته، وفي صوبه صوب الرصافة، وهو منتصب بوقفته الشامخة، فأصيب جبينه بطلق ناري من عصابة تستلم أوامرها وذخيرتها من بلد ٍ جار. وعصابة أخرى، في ليل ٍ آخر، أصابت يده اليمنى وجيوب معطفه المهيب، ومازالت الثقوب في جسده شاهدة على ديمقراطية الفوضى منذ العام 2003 إلى الآن.

لماذا الآن

الرصافي ليس الوحيد المطلوب تصفيته واقتلاعه. فبعبوة ٍ ناسفة غادرة أسقطوا رأس أبي جعفر المنصور مؤسس بغداد وخليفتها ومهندسها. وبذات الأسلوب وفي وضح النهار، اقتلعوا تمثال الزعيم الوطني عبدالمحسن السعدون من ساحته ومن شارعه التاريخي اختطفوه برافعة توقّفت وسط الشارع، ووضعته على حاملة ضخمة معلومة الأرقام والموديل وملامح الوحشيّة.

زرعوا أيضاً عبوة ناسفة أخرى لخصمهم التاريخي أبي الطيّب المتنبّي، أمام أنظار الشرطة ومستشاري الاحتلال ورجال الأمن وأمانة العاصمة. وبعد فترة من البحث من قبل المهتمين ونخبة من المثقفين، وجد المتنبّي مقطّع الأوصال في مكان مهمل. فضاع دم الشاعر، كما هدر دم كل هؤلاء الكبار في عاصمتهم التي غزتها الذئاب والكواسر بليل بهيم.

معروف الرصافي الذي عبّد الشوارع في تاريخ الثورة والفكر والفلسفة منذ قرن من الزمان، تجد ساحته اليوم

والأرصفة من حولها غير معبّدة، الإهمال والفوضى وأكوام المزابل تزحف باتجاهه بتعمّد مفضوح، وسط شارع الرشيد، في مشهد يخدش الذوق والمشاعر والحس الوطني والحضاري، وكأنّهم يقولون للرصافي ألست َ القائل “هذا العراق سفينة مسروقة/حاقت براكين بها وزلازلُ/هذا هو الوطن الجميل مسالخُ/ومدافن ٌ وخرائب ومزابلُ”.

كأنّك في قلبنا وقلب العاصمة الآن. فالبرلمان والدستور الجديد وحكومات الطوائف المتعاقبة، تغض البصر عن أعمال النهب والتخريب وتشويه واقتلاع المعالم التراثية والحضارية من بغداد ومن كل مدن البلاد. لكن الرصافي، بموقعه المميز ومكانته الأدبية والثورية، قد نال الحظ الأوفر من أعمال الاعتداء المسلّح واعتداءات التخريب والتشويه.

معروف عبدالغني محمود الجباري الأكاديمي والشاعر، ولد ونشأ في بغداد في العام 1875 لأب كردي وأم تركمانية، درس في الكتاتيب ثم المدرسة العسكرية الابتدائية، ثم المدارس الدينية، متتلمذا على أيدي علماء بغداد.

لازم الجباري الشيخ العلّامة محمود شكري الآلوسي واقترب منه لأعوام، حتى تخرّج على يديه مرتديا العمامة أسوة بعلماء زمنه، والشيخ الآلوسي هو من أطلق عليه اسم “معروف الرصافي” كمرتكز معرفي وشعري في صوب الرصافة، المقابلة لصوب الكرخ وعالمها الشهير معروف الكرخي.

عمل معلما في مدرسة الراشدية في الأعظمية، ومدرسا للآداب في إعدادية بغداد.

وعند إعلان دستور الاحتلال في العراق، غادر إلى إسطنبول وعمل في الصحافة والتدريس، وأُنتخب عضوا في مجلس المبعوثان في العام 1912 وأُعيد انتخابه عدة مرات. وفي العام 1920 سافر إلى فلسطين وعمل مدرّسا للآداب في القدس، ثم عاد إلى بغداد بطلب من الحكومة العراقية، وأصدر صحيفته “الأمل”. ثم انتخب في دمشق عضوا في مجمع اللغة العربية.

انغمس الرصافي في الفلسفة والسياسة، وناضل من أجل تحرير بلده وأمته، ودعا مع رفيقه اللدود الزهاوي إلى تحرير المرأة والمجتمع من قيود العبودية والتخلّف. وله في ذلك قصيدته الشهيرة عن المرأة “لقيتها ليتني ماكنت ألقاها/ تمشي وقد أثقل الإملاق ممشاها/أثوابها رثّة والرّجل حافيةٌ/والدمع ُ تذرفه في الخد عيناها”.

أعداؤه يبحثون في دهاليز النجف عن فتوى تهدر دمه

من أين يرجى للعراق تقدم

قاوم الاحتلال الإنكليزي لبلاده، وقاد المظاهرات في بغداد، وكتب العشرات من القصائد التثويرية التنويرية، التي تحرّض الناس على المقاومة والرفض، وسخر من الدستور والبرلمان وسرعة تنصيب الملك فيصل على العراق، واعتبرها محاولة من المحتل لإخماد ثورة العشرين التي اندلعت بكل محافظات العراق، فقال “علمٌ ودستور ومجلس أمةٍ/كل عن المعنى الصحيح محرّفُ/أسماء ليس لنا سوى ألفاظها/ أمّا معانيها فليست تعرفُ/من يقرأ الدستور يعلم أنّهُ/ وفقا لصك الاحتلال مصنّفُ”.

مثل هذه النصوص الشعرية للرصافي متلازمة مع الأحداث، وتكاد تتطابق مع ما جرى ويجري في العراق منذ العام 2003، لذا تجدها تتكرر اليوم على ألسنة الناس في المنتديات والمقاهي والمناسبات والنقاشات كالأمثال والحكم، كأنها كُتبت قبل أعوام فقط، وليس أوائل القرن الماضي. توثّق تكرار المأساة بلبوس آخر، لا فرق فيه، سوى أنه كان احتلالا بريطانيا، واليوم أصبح أميركيا، وبذات الأسلوب والأدوات التي تفكك المجتمع والدولة (دستور هش مزيّف، حكومة ترقيعية مرتهنة، برلمان كرتوني شكلي، طائفية، عشائرية)، فتجد الذين التفوا حول معروف الرصافي وتظاهروا معه ضد الاحتلال والهيمنة وقتئذٍ، يتظاهر أحفادهم اليوم في كل مدن العراق ضد الطائفية والفساد والتبعية.

ويبدو من الطبيعي أن تظهر ميليشيات وحشيّة ظلامية عدائية، مستفيدة من الوضع الحالي، تطارد المتظاهرين وتختطف بعضهم، وتغتال البعض الآخر. وبذات الوقت تطلق الرصاص على الرصافي أمام أعين الجميع، لا يمكنهم نسيان قوله فيهم “لا لم تعد نجف تفاخر باسمكم/لا كوفة لا كربلا لا بابلُ/ في كل يوم فتنة ٌودسيسةٌ/حرب ٌ يفجّرها زعيم ٌ قاتلُ/ شعب إذا حدّقت كل جذوره/اقتلعت، وإن دققت شعب راحلُ/ هذي شعارات الطوائف ِ كلّها/وهمٌ، سرابٌ، بل جديب قاحلُ/ سحقا لكم يا من عمائمكم كما/بزّاتكم، شكلٌ بليد باطلُ/فهنا عميل ضالع متآمرٌ/وهناك وغد حاقد متحاملُ”.

زار الاديب العربي الشهير أمين الريحاني بغداد عام 1922، من ضمن زياراته لبلدان الشرق التي خرج منها بكتاب “ملوك العرب”، فأقام له المجمع العلمي في بغداد احتفالا ً كبيراً، حضره الملك فيصل وكبار الشخصيات في الدولة والمجتمع. فألقى الرصافي فيه قصيدته التي أحدثت ضجّة في البلاد، وسائر بلدان الوطن العربي. فبعد الترحيب بالريحاني، قال الرصافي “أأمين لا تغضب عليّ فإنني/لا أدّعي شيئا بغير دليله/من أين يُرجى للعراق تقدمٌ/ وسبيل ممتلكيه غير سبيله/لا خير في وطنٍ/يكون السيف عند جبانه/والمال عند بخيله”.

تلك الصلابة التي امتاز بها معروف الرصافي رافقته طيلة حياته، خصوصا في المواقف الصعبة. فلم تمض أشهر على قصيدته تلك، حتى كتب غيرها في هجاء حكومة الاحتلال ومستشاريها والوزارات التي يشرفون عليها، حتى اشتدت الأزمة بينه وبين الملك بعد قصيدته التي منها “لنا ملك تأبى عصابة رأسه/لها غير سيف التيمسيين عاصبا/وليس لنا من أمره غير أنّهُ/ يعدّد أياما ويقبض راتبا”.

فأرسل إليه الملك مرافقه تحسين قدري يدعوه لمقابلته، وحالما دخل الرصافي، عاتبه الملك “أأنا من يعدد أياما ويقبض راتبا يا معروف؟ فأجابه الرصافي: أرجو أن لا تكون كذلك يا صاحب الجلالة. فعقّب الملك: ليش كل هذا العداء يا معروف؟ فقال: يا صاحب الجلالة، ليس هنالك شخص واحد في الدنيا يمكنه القول إنّ لي مطمعا في مقامكم، حتى يكون لي عداء معكم”. ثم ترك الرصافي المكان مغادراً، وملوّحا بيده.

بعد صدور كتاب الرصافي “رسائل التعليقات”، وهو يجمل آراءه في ثلاثة كتب “التصوّف الإسلامي” و”النثر الفني” و”التاريخ الإسلامي للمستشرق كايتاني”، اتهموه بالكفر والإلحاد والزندقة، وصار أعداؤه يبحثون في دهاليز النجف عن فتوى تهدر دمه، لكن ذلك لم يحصل، وبقي الرصافي ليس شاعرا وحسب، إنما بقي باحثا ومفكرا وناقدا صلباً.

الصلابة التي امتاز بها معروف الرصافي رافقته طيلة حياته

شاهد على الفلوجة بين احتلالين

تفاقمت أحوال الرصافي سوءا في بغداد، فغادرها إلى الفلّوجة في العام 1933، حيث كانت شعلة من صور المقاومة للاحتلال البريطاني وقتئذٍ، كما هي الآن محاصرة في مثل هذه الأيام تماماً. تلقى عليها القذائف لذات السبب (المقاومة)، ويُحرم أهلها من الدواء والغذاء والنجدة.

يقول الرصافي عن الفلوجة الآن، (أو قبل ثمانين عاماً لا فرق) “أيّها المحتلّ لن نتناسى/بغيكم في مساكن الفلّوجه/هو كرب تأبى الحميّة أنّا/بسوى السيف نبتغي تفريجه/هو خطب أبكى العراقيين/والشام، وركن البنية المحجوجه/سوف ينأى بخزي وعار/عن بلاد تريد منها خروجه/ فثناء للرافدين وشكرا/وسلاما عليك يا فلّوجه”.

في الفلوجة قرر الرصافي التفرّغ للكتابة والمطالعة. وفيها كتب مخطوطته غير المكتملة “الشخصية المحمدية أو حل اللغز المقدّس″. كان يكتب طوال النهار، ويقرأ في المساء ثم يلتقي مريديه ومحاوريه.

تلك المخطوطة، أرسل الرصافي نسخة منها إلى السياسي المعروف كامل الجادرجي، ونسخة لطه الراوي، وبقيت نسخة في المجمع العلمي العراقي ظلت منسية عقودا حتى هرّبت من المخطوطة صورة مستنسخة إلى ألمانيا، وطبعت في مدينة كولون عام 2002. ويعدّ الكتاب منذ أعوام واحدا من أكثر الكتب توزيعاً، أذ تستنسخه المطابع التجارية وتغرق به الأسواق والمكتبات.

نشبت الحرب بين الجيش العراقي وجيش الاحتلال عام 1941، بين البريطانيين ورجال ثورة مايس (رشيد عالي الكيلاني ورفاقه)، فكان للفلّوجة صولات موثّقة في تلك الحرب. حينها عاد الرصافي إلى بغداد ليساهم بشكل مباشر في دعم الثوّار وإدانة الاحتلال، فقال مما قاله “إن لم يعش حرّا بموطنه الفتى/فسمِّ الفتى ميتا وموطنه قبرا”.

نبوءات الرصافي

منذ أعوام، والمواطن العراقي (كما السوري)، يقتل ويهجّر ويُشرّد، يعبر البحار مغامرا بحياته وحياة أطفاله، قبله هاجرت من وجه الوطن الكفاءات والخبرات والمواهب، ومازال الشعب يدفع تلك الضريبة بفاتورة باهظة الدم والخسائر.

الرصافي كتب عن ذلك قبل ثمانين عاماً، أليس غريبا ذلك “إمّا قتيل شعبنا أو هاربٌ/متشرّد ٌ أو أرمل ٌ أو ثاكلُ/ أنتم كأندلس الطوائف أجهضت/والموت إمّا عاجل أو آجلُ/ هجرت عباقرة ٌمساقط رأسها/ وخلافها، لم يبق إلا الجاهلُ/ ما أعظم الوطن الفخور بحتفهِ/متشائم بحياته، وبموته متفائلُ”.

قال الرصافي في وصيّته، في من يحرّضون ضدّه “أراهم يهيّجون عليّ العوام باسم الدين، ولا أظنهم سيتركونني بعد موتي”، وفعلا لم يتركوه بعد موته، وما زالوا يحاولون اغتياله بين فترة وأخرى، مطلقين على تمثاله الشامخ العيارات الناريّة، بعد أن أغلقوا النفق الكبير من حوله بالنفايات، ويسعون كل يوم لإيجاد مبرر لاقتلاعه من ساحته وصوبه وعاصمته، رغم أنّه قد توفي في ربيع العام 1945، في داره في الأعظمية-محلة السفينة، ودفن في مقبرة الخيزران إلى جوار رفيق عمره الزهاوي، وستظل الأجيال تتناقل آثاره الجليلة في الشعر والفلسفة، بالجرأة والشجاعة والمواقف الوطنية.

9