الرصافي وأركان الرواية

الجمعة 2017/01/06

ارتبط تقسيم الرواية إلى أركان أو مكونات ثلاثة (الراوي، المروي، والمروي له) بالنقاد الغربيين، منذ أواخر عشرينات القرن الماضي، مثل فورستر، وهنري جيمس، وجان بويون، وبيرسي لوبوك، وجيرار جينيت، وواين بوث، ونورمان فريدمان، وتودوروف. “الراوي” هو الشخص الذي يروي الحكاية أو يُخبر عنها، سواء أكانت حقيقة أم متخيّلة.

ولا يُشترط فيه أن يكون اسما متعيّنا، فقد يتقنّع بضمير ما، أو يُرمز لـه بحرف. وهو كائن من ورق على حد تعبير بارت، ويختلف تماما عن الروائي الكاتب، الذي هو شخصية من لحم ودم، وخالق ذلك العالم التخيّلي، الذي تتكوّن منه روايته. و”المروي” هو كل ما يصدر عن الراوي، وينتظم لتشكيل مجموع من الأحداث تقترن بأشخاص، ويؤطرها فضاء من الزمان والمكان. أما “المروي له” فهو الذي يتلقى ما يرسله أو يحكيه الراوي.

ومن أبرز الأمثلة على هذه الأركان الثلاثة في تراثنا الأدبي: شهرزاد (بوصفها راويا) وشهريار (بوصفه مرويا له) والحكايات التي ترويها شهرزاد (بوصفها مرويا) في “ألف ليلة وليلة”.

وقد حظي “الراوي” باهتمام كبير من النقاد والروائيين على حد سواء، فبموقعه (الذي تنتظم من خلاله الرؤية السردية) يتحدد شكل الرواية. ومنذ مطلع القرن الماضي سعى هنري جيمس إلى إخفاء الروائي وإظهار “الراوي” على أساس أنه المعبّر عن رؤية الكاتب الفكرية والفنية من خلال موقعه المحوري في الخطاب الروائي. وتبعا لموقع الراوي في العملية السردية ميّز جان بويون، ومثله تودوروف، ثلاثة أنواع من الرواة: راو عليم بكل شيء في عالم الرواية، وراو لا يعلم إلا ما تعلمه الشخصيات، وراو يعلم أقل مما تعلمه الشخصيات. وحدده جينيت في نوعين: راوٍ يحلل الأحداث من الداخل، وراوٍ يراقب الأحداث من الخارج.

في الثقافة العربية الموروثة يُعد “الراوي” شخصا تاريخيا واقعا في زمان ومكان معينين، مثل راوي السيرة والأحاديث النبوية، وجامع الأخبار وناقلها شفويا، وراوي الحكايات أو القصص الشعبية (يُطلق عليه في العراق “القَصّخون”)، وهم يختلفون، بالتأكيد، عن الكائن الخيالي (أو السارد في الرواية). لكننا لا نعدم وجود مثقفين عرب تحدثوا عن أركان السيرة، في زمن مقارب للزمن الذي تحدّث فيه عن الرواية أقدم النقاد الغربيين (فورستر عام 1927).

ويبدو لي أن الشاعر العراقي معروف الرصافي (1875-1945م) كان في طليعة هؤلاء المثقفين، فقد تحدث في كتابه “الشخصية المحمدية، أو حل اللغز المقدّس”، الذي أنجزه عام 1933، عن أربعة أركان للسيرة هي: المروي عنه، والمروي له، وبينهما الراوي، والحديث الذي يرويه (أي الرواية) (ص 53).

ومن الواضع أن الرصافي يتحدث هنا عن الراوي بوصفه شخصا تاريخيا، لكن ما يعنينا تقسيمه للسيرة إلى “أركان” تقسيما شبيها بتقسيم النقاد الغربيين، الذين أشرنا إليهم، للرواية إلى أركان، فضلا عن تشابه المصطلحات. وقد وضع هذا التقسيم واصطلح عليه من عنده، كما يؤكد، دون أن يقرأه في كتاب ما.

ولعل مما يشير إلى نباهته، وحسه النقدي المتقدم أنه قسم الركن الرابع (الرواية) إلى نوعين “الرواية ذات الدرجة الواحدة”، و”الرواية ذات الدرجتين أو الدرجات”. وذهب إلى أن الأولى نوعان أيضا، أحدهما “لا توسط فيها بين المروي عنه والمروي له إلاّ راو واحد”، وثانيهما “يتوسط فيها بينهما أكثر من راو واحد”. وهذه الرواية هي الموسومة بالتواتر، وهي أقوى من النوع الأول. أما “الرواية ذات الدرجتين أو الدرجات” فهي الرواية التي يتوسط فيها بين المروي عنه والمروي له ثلاثة رواة. وكلما كثر تسلسل الرواة كانت الرواية في الحكم أضعف (ص 54). ويضرب الرصافي أمثلة من التراث ومن عصره، في غاية الطرافة، على هذه الأنواع من الرواية.

كاتب من العراق

14