الرصيد الحكائي الشعبي.. كان أداة ترفيه ومعرفة

كان هذا المتن الحكائي مسليا جدّا في غياب وسائل أخرى للترفيه، ومعينا لنا في دراستنا، كما كان دافعا مهما للمطالعة والقراءة، فالشغف لسماع القصص والحكايات يدفع إلى البحث في صفحات الكتب.
الأحد 2018/08/05
العلاقات الاجتماعية تسير نحو التفكك

كان في ما مضى المتن الحكائي الشعبي المتمثل في سرد الحكايات والخرافات من أهمّ مصادر المعرفة ومن أهمّ الوسائل لتوطيد العلاقات الأسرية والاجتماعية مع تأكيد الدور الترفيهي طبعا. هذا الموروث الحكائي الضخم لا يقتصر وجوده على شعب بعينه، بل هو مكوّن حضاري رافق كل التحوّلات الحضارية التي شهدتها الأمم والشعوب قاطبة.

حين استرجاع المراحل العمرية من طفولتي لا يسعني إلا الوقوف على كمّ هائل من الحكايات الشعبية التي تشاركتُ مع أفراد عائلتي المصغّرة والموسعة على حدّ السواء، الاستمتاع بسماعه وأخذ العبرة من معانيه الظاهرة والمخفية رمزا وإيحاء، فإلى جانب تحفيظ القرآن في “الكتّاب” ومزاولة الدراسة الابتدائية في المدرسة، مثّل هذا الزخم من الحكايات المرويّة رافدا مهمّا من روافد المعرفة حيث إن العديد من المبدعين في مجالات القصة والرواية يؤكدون الأثر الإيجابي لهذا الموروث الحكائي في صقل مواهبهم.

كانت طبيعة الحياة الاجتماعية البسيطة وتركيبة الأسرة الموسّعة والانشغالات اليومية التي تسمح بتوفّر الحدّ الأدنى من أوقات الفراغ وخاصّة في ذروة الحرّ صيفا أو قساوة البرد شتاء وفي الليالي الطويلة، كلّها عوامل تفتح الباب لانعقاد المجالس العائلية التي تؤثثها الحكايات الشعبية.

 فقد كان أفراد العائلة في ما مضى يجتمعون على اختلاف أعمارهم في مجالس أنس تذكرنا في شكل انعقادها بـ”مجالس الطرائف والنوادر” و”مجالس المناظرات في اللغة والبلاغة والفلسفة والعلوم” و”مجالس الشعر في بلاطات أصحاب الجاه والمال والسلطة”، والتي اطلعنا على بعضها في الكتب كـ”ألف ليلة وليلة” و”الإمتاع والمؤانسة” و”البخلاء” و”المقابسات” وغيرها كثير.

أتذكّر أن أحد أقاربي كان يجمعنا ونحن صغار ويستعرض لنا ما تيسّر من نوادر أبي عثمان الجاحظ بلهجة عامية نفهمها ونتفاعل معها، كما كان يُحفّظنا بعض أبيات ألفية ابن مالك، وكنا نطرب لما يفعل من جهة أننا نقضي وقتا ممتعا نرفه فيه عن أنفسنا، ومن جهة أننا ننمّي معارفنا وقدراتنا الذهنية في الحفظ والاستيعاب.

أمّا ما كان له تأثير بالغ فعلا في طفولتي فإنّ إحدى قريبات والدتي رحمهما الله كانت تتقن سرد الحكايات “الخرافات”، وتتفنّن في التشويق لسماعها بنبرة صوتها الأنثوي وحركة يديها الصغيرتين وملامح وجهها الطفولي رغم تقدّمها في السنّ، وكنت برفقة أترابي من الأقرباء والجيران نتحلّق حولها في أغلب الأمسيات، على ضوء القمر في الليالي المقمرة، وعلى ضوء مصباح خافت في ليالي الشتاء الطويلة والباردة، ولم تكن سوى نبرة صوتها المهيمنة، الكل واجم يستمع حتى للحكايات التي روتها سابقا مرارا وتكرارا وكأننا نكتشف فيها مع كل سرد جديد حكاية جديدة، بملامح قصصية جديدة.

كان هذا المتن الحكائي مسليا جدّا في غياب وسائل أخرى للترفيه، ومعينا لنا في دراستنا، كما كان دافعا مهما للمطالعة والقراءة، فالشغف لسماع القصص والحكايات يدفع إلى البحث في صفحات الكتب.

الحكايات المروية مشافهة وطّدت علاقاتنا بما لا يدع مجالا للشكّ ببعضنا البعض وبالكتاب تخصيصا، وتجسّد من خلال ذلك البيت الحكمي لأبي الطيب المتنبي الذي تناقلته الأجيال عبر التاريخ “أعزّ مكان في الدنى سرج سابح * وخير جليس في الأنام كتاب”، كما تجسّد القول الألماني المأثور “لا ينمو الجسد إلا بالطعام والرياضة ولا ينمو العقل إلا بالمطالعة والتفكير”.

إذن كانت للمجالس الأسرية التي تنعقد على سرد المرويات والحكايات الشعبية بأهدافها الأخلاقية والقيمية والتعليمية، مثل ترسيخ قيم النجدة والشجاعة والوطنية والمواطنة والتسامح والحبّ..، أداة ترفيهية وتعليمية-تثقيفية بامتياز، وهذا سبب من أسباب تجذّر حب القراءة والمطالعة في تلك الأجيال التي واكبت ذلك الزخم الحكائي والقصصي.

تغيّر كل شيء الآن وسارت كل العلاقات الاجتماعية نحو “التفكك”، أو لنقل بتعبير أدق أصبحت تقودها المصالح والبراغماتية والانتهازية، ضاع في خضمّ كل هذا الموروث الحكائي الشفوي وأصبح رهين صفحات الكتب التي لا تُقرأ في أغلب الأحيان.

انشغل الناس في كل الأماكن التي تحتضنهم للترفيه أو العمل أو الراحة، داخل الفضاءات الأسرية وخارجها، بمنتجات الحضارة الحديثة ولعل أبرزها الأجهزة الإلكترونية التي يتمّ كل شيء بواسطتها، المكالمات والمعايدات والتعارف وحتى التخاصم.

في الأمر سوء ولكن السوء الأكبر في الاستعمال، في ذاكرة كل جهاز إلكتروني مجموعة هائلة وكبيرة العدد من الحكايات والأقاصيص -إلى جانب الأدب والعلم والفلسفة- التي من شأنها أن تحيي ملكة القراءة وتؤسس علاقة جديدة بين الإنسان ومصادر معرفته وترفيهه.

بالإمكان إعادة الرؤية في التوظيف لأنه لا يمكن بأي حال من الأحوال أن نتجاهل هذه التقنيات لأنها فرضت نفسها علينا وأضحت جزءا من حياتنا المعاصرة.

وبالإمكان تطوير القدرات الفكرية والذهنية وتنمية الرصيد الحكائي والقصصي والذي لا بد من وجوده للتعبير -واقعا وإيحاء ورمزا- عن الوجدان الفردي والجمعي، وبذلك يمكن الاهتداء إلى تطوير هذا الموروث والحفاظ عليه من الاندثار كما اندثرت أشياء أخرى كثيرة في حياتنا المعاصرة.

21
مقالات ذات صلة