الرعاية الصحية المتكاملة عائق أمام التنمية في العالم العربي

موجة جديدة من أمراض الرفاهية تحدث تغييرا على خارطة الأمراض يفوق قدرات الحكومات على مواجهتها.
الأربعاء 2019/10/23
المواطن العربي يريد خدمات صحية أفضل

تعد الرعاية الصحية تحديا يواجه الكثير من الدول العربية، رغم ارتفاع معدلات الإنفاق عليها بشكل مستمر، وذلك نتيجة تغيير خارطة الأمراض وتداعيات التطور التكنولوجي والرقمي الهائل، إضافة إلى التأثيرات الواضحة في التركيبة الديموغرافية التي باتت تضيف أمراضا جديدة ما كان لأحد أن يتخيلها منذ عقود.

القاهرة – رغم زيادة معدلات الإنفاق على الصحة عالميا وارتفاعها بوتيرة أسرع من ذي قبل حتى تجاوزت عشر قيمة الناتج المحلي الإجمالي العالمي، إلا أن التحديات لا تزال تحيط بهذا القطاع بسبب المتغيرات المتسارعة التي طرأت على هذا المجال.

شهدت خارطة الأمراض تغييرا يفوق قدرات الحكومات على مواجهتها، فمن كان يتوقع قبل عقد واحد أن تخصص الدول في موازنتها أموالا لعلاج إدمان الإنترنت “فومو”، وبات التطور التكنولوجي السريع مصدرا مزعجا في تلك الخارطة التي كانت  تستوعب الأمراض التقليدية فقط.

وبعد أن تجاوزت الحكومات مواجهة الأوبئة والفيروسات دخلت في موجة جديدة من أمراض الرفاهية الناتجة عن زيادة معدلات الإنفاق على الطعام والشراب وغيرهما، الأمر الذي زاد من عبء فاتورة الصحة على موازنات بعض الدول العربية.

وأصبحت مواجهة هذا التحدي ضرورية، فعندما يزداد الإنفاق الحكومي على قطاع الصحة تقل احتمالات سقوط الناس في براثن الفقر في أثناء سعيهم للحصول على الخدمات الصحية، ويحتاج ذلك التخطيط بعناية لرصد مخصصات مالية تضمن إمكانية حصول جميع السكان على الرعاية الصحية الأولية.

الإنفاق الصحي الخاص

ظروف معيشية لا ترتقي للمعايير الصحية العالمية
ظروف معيشية لا ترتقي للمعايير الصحية العالمية

حذرت منظمة الصحة العالمية من عواقب حفض معدلات الإنفاق في مجال الصحة، وأوضحت أن من بينها دفع 100 مليون شخص إلى دائرة الفقر المدقِع سنويا.

ويصل الإنفاق العالمي على الرعاية الصحية إلى أكثر من 5800 مليار دولار، منها 92 مليار دولار في منطقة الشرق الأوسط، ويعادل إنفاق المنطقة 1.6 بالمئة من النسبة العالمية، مع أن سكانها يشكلون 8 بالمئة من سكان العالم.

ويتحمل المواطنون في غالبية البلدان منخفضة الدخل 60 بالمئة من قيمة الإنفاق الصحي من أموالهم الخاصة، وقد يصل هذا الرقم إلى 80 بالمئة في بعض الدول. وفي الحالة العربية تخصص الحكومات لقطاع الصحة في المتوسط 7.8 بالمئة من مجمل الإنفاق الحكومي.

ومن الضروري عدم النظر إلى الإنفاق على قطاع الصحة على أنه من قبيل التكاليف، وإنما هو استثمار في سبيل الحد من الفقر وإيجاد الوظائف وزيادة الإنتاجية وتحقيق نمو اقتصادي شامل وإقامة مجتمعات تنعم بقدر أكبر من الصحة والأمان والإنصاف.

ومع الضبابية التي تحيط بهذه القضية، إلا أن هناك دولا عدة، بينها دول مجلس التعاون الخليجي، تبنت سياسات سخية لنظم الرعاية الصحية، الأمر الذي دفع البنك الدولي إلى إبداء إعجابه بتلك السياسات التي تمتد مظلتها للعمالة الوافدة في هذه الدول.

وتعج أسواق العمل في دول مجلس التعاون الخليجي بنسب من العمالة الوافدة معظمها من الشباب، ويعمل غالبية هؤلاء في قطاعات الطاقة والإنشاء والخدمات والخدمة المنزلية.

وتشكل أعداد العمالة الوافدة ما يتراوح من 30 بالمئة إلى 80 بالمئة من إجمالي السكان المقيمين داخل كل دولة من دول المجلس.

وأشار البنك الدولي إلى أن الاستثمارات الضخمة للدول الخليجية على مدار عدة عقود في مجال البنية التحتية لخدمات الرعاية الصحية عززت التحسن في نتائج الوضع الصحي بشكل عام.

وركزت أنظمة الرعاية على أداء وظائف الصحة العامة الأساسية المتعلقة بتطعيم الأطفال وسلامة الغذاء والصحة البيئية وخدمات الرعاية الصحية الأساسية للأطفال والأمهات.

وقال تقرير “بناء مجتمعات أكثر صحة وإقامة” الذي خصصه البنك حول تجربة دول مجلس التعاون الخليجي، إن معدلات وفيات الأطفال في دول المجلس عام 1960 كانت مشابهة لمعدلاتها في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا والدول منخفضة ومتوسطة الدخل، لكن على مدار خمسة عقود، تراجعت لتصل إلى مستوى يعادل المتوسط في دول مرتفعة الدخل.

واعتمدت الدول الخليجية في وقت مبكر نموذجا تقليديا لخدمات الرعاية الصحية الوطنية قامت في ظله الحكومة إلى حد كبير بامتلاك وإدارة المنشآت الصحية التي تقدم الخدمات لعموم السكان، وظهرت داخل القطاع العام شبكات كبيرة لقطاع الرعاية الصحية تتبع وزارات الصحة والدفاع والداخلية وجهات عامة أخرى.

زاد من تفاقم أوضاع الرعاية الصحية في المنطقة العربية الحروب في ليبيا وسوريا واليمن والصومال وغيرها، وخلفت ارتفاعا غير مسبوق في انتشار الأمراض النفسية والبطالة وغياب العدالة 

ومع مرور الوقت، ظهرت خدمات صحية موازية في القطاع الخاص، لاسيما في مجال الرعاية بالعيادات الخارجية، وكان إطلاق مبادرات التأمين الصحي الإلزامي في العديد من الدول إيذانا بحقبة من التوسع السريع في منشآت الرعاية الخاصة.

وتعد حصة القطاع الخاص من طاقة البنية التحتية لقطاع الرعاية الصحية والخدمات المقدمة كبيرة الآن في معظم الدول الخليجية، ففي الإمارات مثلا، وفق تقرير البنك الدولي، يمتلك القطاع الخاص الآن 31 بالمئة من أسرة المستشفيات و93 بالمئة من مراكز وعيادات الرعاية الأولية. وفي السعودية يمتلك القطاع الخاص 23 بالمئة من جميع أسرة المستشفيات.

ويصل متوسط الإنفاق الشخصي المباشر على الصحة في الدول الخليجية إلى 15 بالمئة، أي أقل من المتوسط الخاص بمنظمة التعاون والتنمية في الميدان الاقتصادي بواقع نقطتين مئويتين وأدنى من المتوسط في المنطقة بواقع 23 نقطة مئوية.

ويشير الإنفاق الشخصي المباشر الذي يقل عن حد العشرين بالمئة المحدد من منظمة الصحة العالمية إلى مستوى جيد نسبيا من الحماية المالية من التكاليف التي يتعذر التنبؤ بها لمعالجة الأمراض البشرية.

ورغم تلك الفورة، إلا أن أمراض العصر، ومنها داء السكري والسمنة وإصابات حوادث الطرق، تمثل معضلة كبيرة تتحدى تجربة دول الخليج، وحذر البنك الدولي من أن الشواهد الوبائية الحالية تشير إلى أن أداء هذه الدول “أسوأ بكثير بالفعل من غيرها من الدول مرتفعة الدخل”.

وأوضح أن معدلات انتشار السمنة والسكري هي الأعلى بين كافة البلدان مرتفعة الدخل وتأتي في المرتبة الثانية بين جميع بلدان العالم، ولا يسبقها في ارتفاع معدلات الإصابة بالسمنة والسكري سوى دول جزر بولينيزيا منخفضة الدخل الموجودة في المحيط الهادئ (مثل تونغا، ساموا، فيجي). كما أن متوسط معدلات الوفيات الناتجة عن حوادث الطرق أعلى بشكل لافت في دول المجلس منه بين الدول مرتفعة الدخل في العالم.

ويصل متوسط نسبة انتشار الإصابة بالسمنة بين الأفراد في منطقة الخليج الذين تتراوح أعمارهم بين 20 و79 عاما نحو 33.2 بالمئة، رغم حملات التوعية المستمرة للحكومات ومنظمات المجتمع المدني.

وزاد من تفاقم أوضاع الرعاية الصحية في المنطقة العربية الحروب الدائرة في ليبيا وسوريا واليمن والصومال وغيرها، وخلفت ارتفاعا غير مسبوق في انتشار الأمراض النفسية والبطالة وغياب العدالة وفقدان الأمل والانتشار الواسع لتعاطي المخدرات. وتفتقر معظم الدول العربية إلى الرعاية النفسية، ومازالت الوصمة الاجتماعية تشكل عائقا أمام الحديث عن هذه الأمراض.

وضاعف من أزمة الحروب والنزاعات عودة انتشار الأوبئة والأمراض التي غابت عن الساحة نتيجة جهود مواجهتها على مدى عقود ماضية، وبدأ يظهر مجددا مرض الكوليرا والسل والجرب والتهاب الكبد الفيروسي وغيرها في مناطق النزاعات وبين المهاجرين، فضلا عن حالات سوء التغذية التي يعاني منها الملايين من البشر نتيجة هذه النزاعات.

وقالت منظمة الصحة العالمية إن أكثر من نصف الإنفاق على قطاع الصحة في البلدان ذات الدخل المنخفض والمتوسط يخصص للرعاية الصحية الأولية. ويبلغ مقدار ما تنفقه الحكومات على قطاع الصحة في الشريحة الدنيا من البلدان متوسطة الدخل نحو 60 دولارا لكل شخص، وما يناهز 270 دولارا لكل شخص في الشريحة العليا من البلدان المتوسطة الدخل.

ويضيف التدخين الذي يعتبر مسؤولا عن ربع حالات السرطان ومعظم الإصابات بأمراض القلب والشرايين تحديا جديدا لقطاع الرعاية الصحية، فضلا عن التلوث الناجم عن عمليات التصنيع وغيرها والتي تدفع المؤشرات الحيوية للشباب في المنطقة العربية تعادل مؤشرات كبار السن في الدول التي تنعم ببيئة نظيفة في الغرب.

التجربة المصرية

إنفاق مصر على قطاع الصحة لم يتجاوز 1.2 بالمئة من الناتج المحلي الإجمالي
إنفاق مصر على قطاع الصحة لم يتجاوز 1.2 بالمئة من الناتج المحلي الإجمالي

هرعت مصر مؤخرا لتطبيق منظومة رعاية طبية شاملة، بعد أن تفاقمت أوضاع الصحة وباتت الأمراض تنهش أجساد قطاع كبير من المواطنين بعد أن كانت لها الريادة خلال عقدي الخمسينات والستينات من القرن الماضي.

واستلهم قانون التأمين الصحي الشامل التجربة البريطانية في الرقابة على الخدمة الصحية، من خلال تدشين هيئات جديدة، أهمها: الهيئة العامة للتأمين الصحي الاجتماعي الشامل ودورها تمويل الخدمة الصحية، والهيئة العامة للرعاية الصحية ودورها تقديم الخدمة الصحية، والهيئة العامة للاعتماد والرقابة الصحية وتختص بوضع معايير الجودة ومراقبة واعتماد تطبيقها على منشآت الرعاية الصحية.

وبدأت القاهرة في تطبيق قانون التأمين الشامل بشكل تجريبي في محافظة بورسعيد شمال شرق البلاد، تمهيدا لتعميمه على جميع أنحاء البلاد.

ودشن الرئيس المصري عبدالفتاح السيسي مبادرة “100 مليون صحة” لإنقاذ أكباد المصريين من فيروس “سي” بعد أن سجلت مصر المركز الأول عالميا في معدلات الإصابة والانتشار.

ونجحت المبادرة لأنها جاءت مدفوعة بدعم سياسي، وتم توفير الدعم المادي بمقدار 260 مليون دولار، لكن باقي الأمراض وإصلاح المستشفيات المتردية في مصر تحتاج إلى مبادرات مشابهة لمبادرة فيروس “سي”.

ولا يزال التمويل تحديا يواجه المنظومة المصرية الجديدة والتي تحتاج إلى 35 مليار دولار لتغطية جميع محافظات البلاد، لذلك لجأت إلى تطبيقه تدريجيا على ست مراحل خلال 15 عاما، كي يتم تطوير المستشفيات المتهالكة.

وقال محمد معيط وزير المالية في تصريحات خاصة لـ”العرب”، إن الحكومة جاهزة لتمويل مشروع التأمين الصحي الشامل وما يقتضيه من احتياجات مالية.

محمد معيط: الحكومة المصرية جاهزة لتمويل مشروع التأمين الصحي الشامل وما يقتضيه من احتياجات مالية
محمد معيط: الحكومة المصرية جاهزة لتمويل مشروع التأمين الصحي الشامل وما يقتضيه من احتياجات مالية

وتصل تكلفة تطبيق المرحلة الأولى إلى نحو 512 مليون دولار، ودفعت الحكومة بالقطاع الخاص ليكون شريكا في المنظومة الجديدة لحل مشكلة المستشفيات المتهالكة.

وأوضح إيهاب المجد عضو مجلس إدارة هيئة التأمين الصحي الشامل لـ”العرب” أن حجم إنفاق المصريين على الصحة بلغ نحو 72 بالمئة. وأضاف أنه يتم تأهيل المستشفيات الحكومية في المحافظات استعدادا لتطبيق النظام الجديد، وتم تطوير سبعة مستشفيات في محافظة بورسعيد و29 وحدة رعاية أولية، فضلا عن تدريب الأطباء للتعامل مع المنظومة الجديدة.

وفتح قانون التأمين الصحي الشامل الجديد الباب أمام القطاع الخاص للمساهمة في تقديم الخدمات بأسعار يتم الاتفاق عليها مع هيئة التأمين الصحي الشامل.

ويصل عدد المستشفيات العامة نحو 660 مستشفى، وهو عدد محدود جدا لا يتناسب مع عدد سكان مصر وتصاعد معدلات الزيادة السكانية والتي تصل لنحو 2.6 بالمئة وهي من المعدلات المرتفعة عالميا.

وشجع تدهور المستشفيات الحكومية عددا كبيرا من الشركات العربية لضخ استثمارات كبيرة في القطاع الصحي بمصر لاقتناص الفرص، وأعلنت مجموعة أندلسية السعودية للخدمات الطبية عن ضخ استثمارات بنحو 60 مليون دولار لبناء مستشفيين في مدينة 6 أكتوبر بجنوب غرب القاهرة، بطاقة 250 سريرا، والثالث في مدينة القاهرة الجديدة.

وتمتلك المجموعة عددا من المؤسسات الصحية التي تقدم الخدمات الطبية في مختلف التخصصات في مدينة جدة السعودية. وتزامن مع ذلك إعلان مجموعة مينا هلث الطبية، والتي يتوزع رأس مالها على عدد من المستثمرين في منطقة الخليج تدشين ثلاثة مستشفيات جديدة في مصر.

وكشفت مجموعة مستشفيات السعودي الألماني عن تدشين مدينة طبية في الإسكندرية باستثمارات تبلغ نصف مليار دولار لتقديم الرعاية الصحية بمصر ومنطقة الشرق الأوسط. ويتضمن المشروع إنشاء ثمانية مستشفيات، وبرج طبي يضم 220 عيادة طبية، بالإضافة إلى كلية للعلوم الطبية والتكنولوجيا باستثمارات 40 مليون دولار.

ورغم أهمية هذه الفورة، إلا أن إنفاق مصر على قطاع الصحة لم يتجاوز 1.2 بالمئة من الناتج المحلي الإجمالي، وتم رصد حوالي 4.5 مليار دولار خلال العام الحالي للإنفاق على الصحة، ولا يستطيع هذا المبلغ الوفاء بالحقوق الدستورية التي تلزم رفع النسبة إلى ثلاثة بالمئة، الأمر الذي يؤكد استمرار تحديات توفير التمويل للنظام الجديد.

وما لم تتمكن الدول العربية من ضخ أموال كبيرة في القطاع الصحي، فسوف تظل الأمراض تهدد المواطنين، ما ينعكس على مستوى الكفاءة والجودة في قطاعات أخرى. ولذلك أصبح التحسن في مستوى الداء الصحي دليلا على مستوى وعي الحكومات والأشخاص بالمخاطر التي ينطوي عليها اعتلال الصحة، ما يجلب معه الكثير من التحديات.

660 مستشفى عمومي لتلبية احتياجات المصريين
660 مستشفى عمومي لتلبية احتياجات المصريين

 

12