الرغبة في الإنزواء دليل على إصابة الطفل بالخجل الزائد

أخصائيون يؤكدون أن المبالغة في الحماية والقسوة ينميان لدى الطفل قصورا في التواصل، ويوصون بتشريكه في الألعاب الرياضية وزيارة الأقارب لتكوين صداقات.
الأحد 2019/03/17
رافقه واستمع إليه

تساهم طبيعة الحياة العصرية بما فيها من سرعة وانشغال للوالدين بالعمل، وكذلك الاعتماد المتزايد على التكنولوجيا الحديثة كوسيلة للترفيه يشغلان بها أبناءهما للتفرغ لمهام البيت، في زيادة حالات الانطواء والعزلة عند الصغار اليوم، وهو ما يؤثر على قدراتهم في التواصل السليم ويصيبهم بالعديد من المشكلات النفسية التي تعيق هذا التواصل ومن أهمها الخجل الزائد أو المرضي.

يصاب بعض الصغار بحالة نفسية وسلوكية غير طبيعية يقول عنها المختصون إنها الخجل الشديد، أي الذي يتجاوز الحد المعتاد والطبيعي، حيث يحبّذ الطفل العزلة والوحدة ويخاف التعبير عن مشاعره ويفضّل الصمت ويبتعد عن التجمّعات ولقاء الآخرين ولا يقول شيئا ويظل متمسكا ومتعلقا بوالديه، وتتطلب هذه الحالات متابعة للطفل وعلاجا سريعا لإعادته إلى حالته الطبيعية.

ويقول سالم عبدالحميد، استشاري طب الأطفال بالقصر العيني، إن الخجل الزائد عند الطفل يتمظهر في الانطواء على النفس ورفض مشاركة أقرانه اللعب أو عدم القدرة على الأخذ والعطاء معهم في المحيط الذي يعيش فيه، أو هو فقدان الثقة في النفس والشعور بالنقص مع توقّع الخطر والنقد الدائم له من قبل الآخرين.

وأثبتت الدراسات النفسية التي أجريت حول مسألة الخجل المرضي، أن الطفل الذي يعاني من الخجل المتطرف أو المبالغ فيه يعاني كثيرا مع نفسه حيث يكون مصابا بالتردد أن يفعل أو يقول شيئا ما أو يتوقف، كما يشعر بضيق شديد؛ لأنه ليس مثل زملائه في المدرسة يمتلك الجرأة والإقدام على الفعل بنفسه. ويبدو كذلك أن هذا الطفل لا يعرف كيف يطالب بحقوقه بنفسه. وإذا تواجد مع مجموعة من الأصدقاء في عمره، فإنه يفضّل الابتعاد والجلوس وحيدا ولا يشارك أحدا في الأنشطة أو الاهتمامات.

ويوضح سالم أن الطفل الذي ينشأ في أحضان والدين مفرطين في تدليله ويبسطان حمايتهما عليه إلى حد المبالغة، لا تتوافر له فرصة قطّ لأن يصل إلى مستوى مريح يكفل له حسن التكيّف مع العالم الذي يعيش فيه، فيشب شخصا شديد القلق والحياء والانزواء.

أما الطفل الذي لا يسبغ عليه والداه مثل هذه “الحماية” المبالغ فيها ولا يحاولان منع تعرضه للمواقف الصعبة في حياته، فإنه يشب قادرا على التغلب على المصاعب الكثيرة التي يتعرض لها. كذلك فإن هناك مصدرا قويا آخر يؤثر على طبيعة الشخص، فيشبّ إما قوي الشخصية معتدا بنفسه وإما يكبر شخصا ضعيفا يخجل من خياله، وهذا المصدر القوي الآخر هو طبيعة العلاقة العاطفية التي تربط الطفل بوالديه أثناء السنوات المبكرة من حياته. فإذا كانت العناية التي يتلقاها الطفل مهلهلة مهترئة غير مستمرة، فإن الوالدين عندها يخفقان في تأمين حاجة طفلهما إلى الأمان والحنان والشعور بالراحة، وفقدان الطفل للاطمئنان في حياته المبكرة، يؤدي إلى تدمير مستقبله.

للاستفادة من الخروج مع الطفل يمكن أخذه في زيارة إلى الأقارب والأصدقاء خاصة الذين لديهم أبناء في عمره، ما يسهل عليه تكوين صداقات

وتعتبر سناء عبدالهادي، استشاري الطب النفسي للأطفال بجامعة عين شمس، أن الخجل الزائد أو المرضي ليس مشكلة الآن، فقد يستطيع الوالدان مساعدة طفلهما على مكافحة الحياء المرضي عن طريق السماح له بأن يتحمل قسطا معتدلا من مشاعر القلق استجابة لتحديات الحياة. وهما يلحقان به الأذى إذا كان يفرضان عقابا عليه إذا ارتكب أي خطأ، ويجب أن نجنّب الطفل الإحساس بالقسوة.

كما أن لكل طفل صغير حياته العاطفية الشخصية المختلفة عن حياة والديه، ومن المهم أن يفهم الصغير أن والديه يتفهمان حقيقة مشاعره ويتعاطفان معه؛ لأن الطفل شديد التحسّس بالمواقف المحرجة وهو بالمقارنة مع الأطفال الآخرين، أكثر حاجة للانتباه والطمأنينة والتشجيع.

وتضيف سناء أن ثلث عدد الأطفال المصابين بالحياء قد ولدوا وفيهم منذ طفولتهم سمات شخصية لعلهم ورثوها جينيا تجعل لديهم قابلية للإصابة بهذه الحالة، فهناك آثار دفينة للحياء المرضي، لدى أطفال صغار لم يتأثروا بعد بالعوامل البيئية، ما يعني أنهم قد ولدوا ولديهم منذ أشهر الرضاعة الأولى الميل الفطري نحو هذه الحالة.

ويرى أسامة الإمبابي، استشاري الطب النفسي بالقصر العيني، أن الطفل الخجول إلى حد أن يصبح خجله ظاهرة واضحة أمام عيوننا، يستحق المزيد من الاهتمام. وقد تكتشف حالة طفلك إذا وجدته في المواقف خائفا أو يرتجف، وعندما تسأله عن شيء ترتعش أطرافه ويحمرّ وجهه وقد يلوذ بالصمت التام أو يدخل في نوبة بكاء شديدة، وربما يقول لك إنه يشعر بألم في معدته أو صداع. بذلك تدرك أن طفلك في حالة مرضية وقد يصاب بالتلعثم وفقد القدرة على النطق إذا واجه موقفا ما.

ومن أهم الوسائل لمساعدة الطفل على التخلص من الخجل أن يتحدّث معه والداه بشكل دائم ولا يتركانه للصمت والانزواء فيكون ضحية الإنترنت والألعاب الإلكترونية بسبب قلة الاهتمام به؛ خاصة وأن هذه التقنيات الحديثة تزيد من فرص عزلته وعدم اختلاطه مع أقرانه. ويجب تقنين استخدامها يوميا بحيث لا يظل أكثر من ساعة يلهو بالألعاب.

كما أنه من المهم جدا أن يشارك الطفل في الألعاب الرياضية والأنشطة الخاصة بالمدرسة أو النوادي، حيث يوجّه انتباهه إلى أهمية الرياضة في حياته ونموه ويمكن اصطحابه إلى بعض التمارين الرياضية، كالمشي في صباح أيام العطل والإجازات.

ويمكن الاستفادة أكثر عند الخروج مع الطفل وذلك بأخذه في زيارة إلى الأقارب والأحباب والأصدقاء خاصة منهم الذين لديهم أبناء في عمره تقريبا ما يوفر له أجواء ملائمة ومريحة للتواصل وتكوين صداقات من المحيط العائلي.

ويلحّ الإمبابي على ضرورة مراقبة الطفل، وإذا شعر الوالدان بشكوك في كونه خجولا أكثر من المعتاد، فإن عليهما مساندته نفسيا ودعمه وأيضا التحدث مع أقرانه وزملائه ومعلميه لفهم حقيقة الوضع، وينصح المختص بعدم وصف الطفل بالخجول؛ لأنّ هذه الكلمة من شأنها أن تعمّق مفهوم الكلمة داخله وتزيد منها بدلا من حلّها.

التقنيات الحديثة تزيد من عزلة الطفل وعدم اختلاطه مع أقرانه

ويوصي استشاري الطب النفسي بتقديم مكافأة للطفل كتشجيع له حتّى يندمج اجتماعيّا، فمثلا بإمكانك اصطحابه في نزهة جميلة في حال كان لديه صديق يلعب معه. مع ضرورة الانتباه إلى الكلمات التي تصدر عنك أمامه، فمن شأنها التأثير على نفسيّته. ولا تُبعد طفلك عن مُثيرات الخجل، بل اعرضها عليه واجعله يواجهها، فالهروب ليس حلًّا. وإذا لم تنجح أي من الحلول السابقة، فلا يجب أن يتردّد الوالدان في عرض الطفل على مختص نفسي ليساعده.

ويقول مجدي السيد، الخبير التربوي بالمركز القومي للبحوث التربوية بالقاهرة، “أود أن أثير قضية هامة في علاج الطفل الخجول جدا، لماذا لا نجلس معه ونقرأ بعض القصص التربوية؟ لماذا لا نتسامر معه ونمنحه الثقة الكاملة في الحوار والتعبير عن نفسه ببساطة ونشجعه على الاجتهاد وأن يتحدث بصوت متزن ولا يخاف شيئا؟”.

وتعدّ البيئة في البيت والأجواء الأسرية الأساس للتوازن النفسي للطفل، فوجوده في خلافات بين الأم والأب وتناقض تام في توجيهاتها، حيث تسمح الأم بشيء ويأتي الأب ليرفضه، جميعها مؤثرات تشعره بعدم الاستقرار وغياب الراحة النفسية.

كما يجب متابعة الطفل في المدرسة والتوصية بأن يشترك مع زملائه في جميع الأنشطة خارج الفصل وفي الداخل مع المعلمين، وأن نبتعد عن العقاب سواء البدني أو النفسي أو اللوم والتجريح؛ فهذا يجعل المشكلة صعبة العلاج.

21