الرغبة في الانتقام وإخفاء الإحباط من أهم أسباب حفلات الطلاق

 احتفال لا يعني الفرح بقدر ما يعبر عن حالة نفسية معقدة، وحفلات الطلاق ما زالت منبوذة من الأسرة والمجتمع.
السبت 2018/11/10
محاولة لمواساة النفس

شربات عبدالحي

القاهرة – يقيم بعض المطلقين والمطلقات مراسم احتفالية لإعلان طلاقهم وبالرغم من أن هذه الحفلات غير شائعة كثيرا في مجتمعاتنا العربية ومنها المجتمع المصري بما يجعلها توصف بالظاهرة، إلا أنها تلفت الانتباه كونها تقطع مع العادات والتقاليد ومع السائد في التعامل مع مسألة الطلاق خصوصا بالنسبة للنساء.

ومِن أبرز التساؤلات حول الهدف من هذا الاحتفال هل هو إزالة التداعيات النفسية السلبية التي خلفها الطلاق على الزوجين، أم هو تصرف انتقامي؟

تقول دينا عبدالله (27 عامًا) “دعوت عددًا من أفراد الأسرة والأصدقاء، لحضور حفل طلاقي بعد الانفصال عن زوجي بحكم قضائي، وبعد قضاء عامين من التعب بين أروقة المحاكم، وضعت لافتة على المرطبات كتبت عليها عبارة ‘حفلة طلاق. سوف أتفرغ لتربية أبنائي’، وكان سبب الطلاق الإقامة في منزل والد زوجي الذي كانت بيني وبينه مضايقات وخلافات باستمرار”.

ويصرح يحيى المنزلاوي (38 عاما) بأنه تزوج ابنة خالته ثم اختلفا في أمور كثيرة ونشبت الخلافات بين العائلتين بسبب الميراث، ويضيف “لم أوفق معها وطلبت مني الطلاق فلم أمانع وفوجئت بأحد الأقارب يعلمني بأن زوجتي السابقة ستقيم حفلا لطلاقها، وجُنّ جنوني ولم أحتمل هذا التصرف من جانبها وقررت أنا الآخر أن أقيم حفلا للطلاق، وقد احتار الأهل والأقارب مع من يحتفلون؟ وكيف؟  وتعتبر سناء -طبيبة (43 عاما)- “حفلات الطلاق مهزلة وتثير الضحك، فقد أصبح الناس يفرحون في المصائب عكس المعتاد.

وتوجد فئة في المجتمع لا تجد ما تنشغل به وتخترع أي شيء ربما لجذب الأنظار أو لديها أموال زائدة تريد إنفاقها، لكن الفكرة ليست منتشرة في مصر، لقد شاهدتها في السينما وهي تبدو مرفوضة في مجتمعنا”.

هذه الحفلات لا تعبر عن الفرح أو الإحساس بالتخلص من حياة صاخبة فاشلة، إنما هي تعبير عن وضع نفسي صعب ومعقد

ويرى د. أحمد السعيد من المركز القومي للبحوث الاجتماعية بالقاهرة أنه “من المألوف في مجتمعنا أن نتلقى دعوة إلى زفاف أو خطبة أو عيد ميلاد؛ أما أن تصلك دعوة إلى حضور حفل طلاق فهذا مضحك فعلا إذ كيف لهذا الحدث المأساوي أن يوضع في عالم البهجة والفرح؟

ويعتبر السعيد أن إقامة هذه الحفلات يقدم صورة لتناقض اجتماعي حاد وغير مقبول لدى فئة كبيرة من الناس والمؤسسات الثقافية والاجتماعية”.

ويضيف السعيد أنه إذا بحثنا عن الأسباب الاجتماعية لهذه الحفلات سواء أقامتها المطلقة أو أقامها الرجل المطلق، فلن يكون الأمر سوى تصرف يكشف تناقضات كبيرة أو محاولة من أجل الانتقام للسنوات التي عاشها الزوج أو الزوجة في زواج فاشل.

وتظل الاحتفالات بالطلاق حالات نادرة في مجتمعاتنا، وسواء كان الغرب يمارسها أو تقام في إحدى الدول الأخرى “فنحن لا نقبلها لأنها خارج العادات والتقاليد المصرية والعربية”، وفي الحقيقة في حالات الطلاق تجد الزوجة مهمومة، والرجل أيضا تجده مضطربا ولا يعرف كيف يصلح الأمور؛ وغالبا ما يكون الطليقان في حالة انهيار نفسي، فمن سيخطر على باله أن يذهب ويقيم حفل طلاق؟

من جانبه يؤكد أستاذ الصحة النفسية بجامعة عين شمس مراد عبدالوهاب، أن هذه الحفلات لا تعبر عن الفرح أو الإحساس بالتخلّص من حياة صاخبة فاشلة، إنما هي تعبير عن وضع نفسي صعب ومعقد، وقد يحاول الرجل -أو المرأة- أن يقيم هذا الحفل لإخفاء ملامح الأسى والضياع التي يشعر بها، وهذا ليس نوعا من الاحتفال وإنما هو نوع من مواساة النفس؛ فكل فرد يحاول أن يخفي أحزانه وأوجاعه.

المطلق يحاول من خلال إقامة حفل بمناسبة الطلاق لفت الأنظار وتأكيد أنه بخير وربما أنه سعيد وأن حياته سوف تستمر من دون زواج

ويقول أستاذ الدراسات الإسلامية بجامعة الأزهر محمد أبوليلة إن الدين الإسلامي يعتبر الطلاق أبغض الحلال، ولا خير فيه إلا ما ندر، وعليه فإن الاحتفال به مرفوض دينياً، إن حفلات الطلاق أمر مبتدع عند المسلمين، وهو يخالف ما أوصى به الشرع من الالتزام بالحقوق بين الطرفين، وهذا مخل بقواعد وآداب وسلوكيات الزواج، التي تحثنا بحسب الشرع على الافتراق بالمعروف، وهذه الحفلات تُعد من المظاهر السلبية في مجتمعاتنا العربية. وبحسب أستاذة علم الاجتماع بجامعة عين شمس سامية خضر فإن ظاهرة حفلات الطلاق، في الوقت الحاضر، أصبحت ملفتة للنظر بشكل كبير، شأنها في ذلك شأن ما يحدث من تقاليع جديدة في المجتمعات العربية، فالمطلقون الذين يقومون بحفلات طلاق ربما سيندمون لاحقاً عندما يستيقظون من نشوة الانتصار الزائف، لأنهم في النهاية أمام خسارة تجربة في حياتهم، وخسارة علاقة وفترة زمنية من أعمارهم.

 وقد يتناسى هؤلاء المحتفون بالطلاق أهمية وقداسة الأسرة، وتكون خسائرهم أكبر في حال وجود أبناء من الزواج المنتهي بالطلاق.

وترى خضر أن تلك الحفلات تعبير عن نقص في تقدير الذات، وفيها عدم احترام لمشاعر الأسرتين، ولمشاعر الأبناء وعدم تقدير للآثار السلبية على الأبناء إن وجدوا، مؤكدة على أن بعض المطلقات والمطلقين يقيمون هذه الاحتفالات تعبيراً عن الرغبة في الانتقام، خاصة المطلقة التي تعرَّضت في حياتها الزوجية للإهانة والإساءة النفسية، أو البدنية، أو أمضت سنوات من المعاناة للحصول على الطلاق.

ومهما كانت وجاهة أسباب الطلاق فإن الضحية الأولى والأخيرة تكون الأطفال،  ثمار الزواج الذي فشل بسبب عدم وجودهم مع الأب والأم ضمن أسرة مستقرة، حيث يفتقدون العاطفة والتوازن الأسري، كما يكونون رهائن للخلافات بعد الطلاق، فكل طرف يحاول جذبهم إليه، فتنتقل إليهم مشاعر عدم الأمان ومشاعر العدوانية التي قد تؤدي فيما بعد إلى مشاكل نفسية وسلوكية كبيرة.

21