الرغبة في قيادة السيارة أقوى من تركها للقيادة الذاتية

سباق الشركات يتجاهل رغبة التحكم الغريزية التي قد تبقي القيادة الآلية ترفا فائضا عن الحاجة.
الأحد 2019/01/13
طرح السيارات الآلية لا يعني أنها ستقتطع حصة كبيرة من حركة السيارات في الشوارع

تنهمك كبرى شركات صناعة السيارات وعمالقة التكنولوجيا، في سباق محموم منذ سنوات، في تطوير تكنولوجيا القيادة الذاتية، وهي تحاول رسم آفاق ساحرة عن متعة ركوب سيارات دون عجلة قيادة تنقل المسافرين إلى حيث يشاؤون في أقصى درجات الراحة والرفاهية.

لكن يبدو أن تلك الشركات تتجاهل حقيقة أن أعدادا هائلة من البشر يعشقون قيادة السيارات، وقد يكون من الصعب اقتناعهم بالتخلي عن تلك المتعة وتسليم قيادة السيارة إلى التكنولوجيا الذاتية.

وتشير الدراسات النفسية إلى أن رغبة الإنسان بالتحكم في المعدات التي تؤثر على حركته وشعوره بالأمان من الهواجس الإنسانية العميقة، وهي تكاد تكون غريزية وتولد لديه شعورا مريحا.

ولو تأملنا تجاربنا الشخصية سنجد أن معظم الأشخاص الذين يجيدون سياقة السيارات، يرغبون في تولي قيادتها لو أتيح لهم ذلك، حين يكونون مسافرين في سيارة يقودها شخص آخر.

ورغم استثمار مئات مليارات الدولارات لا تزال القيادة الذاتية للسيارات في مهدها وبعيدة جدا عن الاستخدام الواسع رغم التجارب الكثيرة التي أجرتها الشركات، بل وطرحها للاستخدام في بعض بقاع العالم مثل سنغافورة والولايات المتحدة.

ورغم أن التجارب أكدت أنها يمكن أن تكون أكثر أمانا من القيادة البشرية، إلا أن الحوادث التي وقعت في تلك التجارب والتي كان بعضها مميتا، فجّرت الكثير من فقاعات وبريق مستقبل القيادة الآلية.

وقللت الكثير من التقارير من تأثير دخول تكنولوجيا غوغل حيّز الاستخدام الفعلي من خلال شركة “ويمو وان” في مدينة فينكس في ولاية أريزونا الأميركية، حيث تم تشغيلها كسيارات تاكسي، خاصة أنها لا تزال بحاجة إلى إشراف سائق مستعد للتدخل عند الضرورة، أي أن مستوى الثقة فيها لا يزال محدودا.

ويستبعد تقرير نشرته صحيفة الغارديان عن توقعات الانعطافات التكنولوجية في العام الجديد، أن يُحدث استخدام السيارات ذاتية القيادة أي تغيير يذكر في المنظور القريب وربما في البعيد أيضا.

تكنولوجيا القيادة الذاتية ربما اكتملت بنسبة 99.9 بالمئة لكنها قد تحتاج لسنوات طويلة لقطع الخطوة الصغيرة الأخيرة

وتشير الصحيفة إلى وجود مدرستين في تقدير التقدم الذي أحزته تكنولوجيا السيارات ذاتية القيادة. وتوضح أن الأولى تقول إن هذه التقنية اكتملت بنسبة 99.9 بالمئة وأنها ستكون جاهزة تماما خلال وقت قريب. ويعني ذلك أن السيارات سيصبح بإمكانها أن تقود نفسها بأمان في أي موقف.

ويرى أنصار هذا الفريق أن تحقق ذلك سيحدث تغييرات كبيرة وسريعة في واقع الحياة ويؤدي إلى بدء اختفاء وظائف قيادة السيارات، التي تعد أكبر مصدر لفرص العمل في العالم. كما سيؤدي إلى إعادة تشكيل خارطة المدن حين يصبح السفر على الطرق أكثر أمانا يوما بعد يوم.

وترى المدرسة الأخرى أن إكمال نسبة 0.1 بالمئة المتبقية لإحكام كفاءة تلك التكنولوجيا هو أصعب من كل ما تم إحرازه حتى الآن. ويقول أنصارها إن القيادة الذاتية سوف تحتاج إلى سنوات طويلة لقطع الخطوة الصغيرة الأخيرة.

ويعتقدون أن تلك التقنية ستبقى لسنوات في المنطقة الرمادية وستعمل بما يكفي لإدامة التجارب مع وجود سائق للتحوط والتدخل عند الطوارئ لتستمر الاختبارات والتمويل، لكنها لن تصبح جيدة بما يكفي لتتحول إلى منتج تجاري ذي جدوى اقتصادية واضحة.

وتقول صحيفة الغارديان إن كلا الرأيين المتباعدين قد يكونان على حق. فالسيارة الجيّدة بنسبة 99.9 بالمئة يمكن أن تكون جيدة بما يكفي لتشغيلها كسيارة تاكسي مثلما حدث في تجربة ويمو، وهي شركة منافسة لخدمة تطبيق أوبر لنقل الركاب.

ويبدو أن المثير في هذه التجربة يقتصر على كونها مثيرة للاهتمام والفضول كتجربة جديدة، فهي على سبيل المثال ليست أرخص من خدمات سيارات الأجرة الأخرى إضافة إلى أنها لا تزال تعاني من خلل وارتباكات في تقديم الخدمة بسبب الحذر الزائد حين تصل إلى تقاطعات الطرق.

وقد شهد العالم في السنوات الماضية الكثير من الابتكارات التكنولوجية التي بدت مبهرة عند الإعلان عنها لأول مرة لأنها لم تجد طريقها إلى الاستخدام اليومي المتكرر وتراجع بريقها بعد وقت قصير.

وعلى سبيل المثال تعاني مبيعات الهواتف الذكية من التراجع في السنوات الأخيرة، رغم أنها تضيف كل عام مزايا جديدة، يبدو لأول وهلة أنها ستخطف اهتمام المستخدمين، لكنهم سرعان ما يكتشفون أنهم ليسوا بحاجة إليها وأن أجهزتهم القديمة تؤدي الوظائف الأساسية التي يحتاجونها في الحياة اليومية. ويتساءل اليوم كثيرون عن العواقب المستقبلية للإفراط في تبني الحلول التكنولوجية، وبضمنها التي اخترقت حياتنا بالفعل مثل الإفراط في استخدام الهواتف الذكية، الذي أصبح يصنف أحيانا كظاهرة سلبية على حياة الأفراد وخاصة الأطفال.

بل إن بعض الدراسات أصبحت تحذّر من اختلالات كبيرة في حياة الشعوب قد تؤدي إلى زعزعة الأمن والاستقرار.

ويرى بعض المحللين أن شركات السيارات تبدو مجبرة على دخول سباق تطوير تكنولوجيا القيادة الذاتية، دون وجود أفق واضح لتحويلها إلى منتج تجاري قابل للتسويق خلال وقت قريب، وذلك بسبب خشيتها من أن تجد نفسها متخلفة عن الركب في حال نجاح تلك التكنولوجيا خاصة في ظل المنافسة الشرسة في القطاع.

وتشير خلاصة الآراء المتقاطعة بشأن القيادة الذاتية للسيارات إلى أنها قد تحدث تغييرا في طبيعة الحياة ولكن ذلك قد يستغرق وقتا طويلا وربما طويلا جدا لتقتطع حصة مؤثرة من أعداد السيارات في الشوارع.

وقد تتعرض لارتدادات كبيرة حين تعصف بها غريزة التحكم البشرية وحب الكثيرين لسياقة السيارات، فتتحول إلى ترف فائض عن الحاجة بعد تبديد الشركات لمئات المليارات وربما تريليونات الدولارات دون القبض على الجدوى التجارية.

17