الرغيف الثائر

السبت 2017/11/18

يبدو أنّ مفردة الخبز ستبقى إلى حين طويل من الدهر، مفردة شعبوية ثورية مقدسة وخطا أحمر بمقدوره تحريك الناس في الشوارع وربما إسقاط دولة بجيشها وشرطتها وشعرائها المرتزقة وطباليها والزمارين. الدول تحسب ألف حساب وحساب إن أرادت تعويم سعر الرغيف أو سحب بعض الدعم عنه، مع أن الواقع على الأرض يشير إلى أنّ العائلة تصرف على النت وتطبيقاته الهاتفية والتواصلية الأخرى، أضعاف ما تخسره على كلفة الخبز الشهرية.

ترتفع أسعار الطماطم والباذنجان وخيار الماء والقثاء والجرجير وحتى الدواء، فلا تجد مانشيتات عالية تنادي بالنزول إلى الشوارع والساحات رافعة شعارات مدوية من مثل نموت وتبقى سلة الباذنجان أو تسقط المؤامرة ضد البطاطا والموز والفلفل الأخضر، أما رنين الحرشة بمادة الخبز فيتواصل وتشتق منه جمل خبز العائلة وثورة الجياع ورغيف الكرامة، ولا أظنكم سمعتم مناديا ينادي في ساحة أو يكبّر بمسجد ويدعو من الله القدير أن يكسر ظهر ورقبة الحكومة لأنها تسببت برفع سعر البقلاوة والزلابيا والسمك وعلبة الأسبرين ومعجون الأسنان الذي يجعل نفَسَكَ عاطرا وابتسامتك بقوة وجمال عشيرة نيكول كيدمان.

أما الارتفاع المجنون في أكلاف السكائر والخمور فلا بواكي عليه ولا هتافات دامية، فإن سألت الدولة عن بعض تخفيض ردت عليك بلكمة قاتلة من باب أنها تريد الحفاظ على صحتك ودينك وجيبك المليء بثقوب الأيام وكدمات الليالي.

الحق هو أن الكائن البشري سيبقى مسجلا بدفتر الحياة إذا ما توفرت له مادتا الخبز والماء، لكن ثمة منهم من تراه يحتضر ويبكي ويلطم إن قطعت عنه نعمة الإنترنت، أو فشل في شراء النسخة المطورة من آيفون التفاحة، وربما وصل الأمر حد شكولاتة السنكر التي تجعل يومك حيويا وشخصيتك هائلة وأقوى من شخصية آل باتشينو في شريط العراب الرهيب.

نحن نعيش اليوم في عالم مجنون ساد فيه الجشع وثقافة الاستهلاك التي تكاد تقضي على ما تبقى من خيرات الأرض المطعونة بالحروب وبالاحتباس الحراري، وحتى منطقة رغيف التنور المقدس قد تم انتهاكها والتحايل عليها ونفخ كلفها من خلال الصناعات التحويلية والإضافات الفائضة، فصار الخبز يصنع بطرائق مبتكرة وتضاف إليه العطور والأدسام والتحلية وسمسم الغفلة ومادة النفخ والتنفيش، فحلق ثمنه عاليا لكن من دون أن يصنع ثورة جياع ومظاهرة مليونية هذه المرة، إذ تم تغليف الجرم بحلاوة المنظر وشميم العطر الذي يسيل اللعاب ويجعل القناعة كنزا لا يفنى.

حياتنا البريئة حطمها صندوق النقد الدولي الجشع.

24