الرفض العظيم كوسيلة للخلاص الإنساني

السبت 2017/07/22
كتاب يتناول ثورات الربيع العربي

باريس – شهد القرن الحادي والعشرون حركات احتجاج عالميّة بدأت بالربيع العربي وامتدت لتشمل عواصم العالم كباريس ونيويورك وغيرهما. وترفض هذه الحركات أنظمة الهيمنة الدكتاتورية والبنى الرأسمالية الحاليّة. وهي دعوات لإعادة تشكيل الطبقات السياسية والاجتماعية والاقتصادية في سبيل تحرير الإنسان، لا فقط على صعيد الأفكار بل على صعيد تقنيات توليد هذه الأفكار والتي يتم تكريسها سياسيا لخدمة رأس المال، عبر جعل الهيمنة النيوليبرالية تبدو “طبيعيّة” بوصفها جزءا من “التطور المنطقي للتاريخ”، نافية أي فرصة للتغير أو البدائل، فحركات الاحتجاج هذه لا تدعو لتعديل الأشكال القائمة أو الاندماج ضمن النظام، بل ترفض حتى الصراع الحالي الزائف، بوصفه نتاج هذه الأنظمة ووليد تقنيات التلاعب المرتبطة بها.

وصدر مؤخرا عن جامعة تيمبل في الولايات المتحدة كتاب “الرفض العظيم – هربرت ماركوزة والحركات الاجتماعية المعاصرة” تقديم الناشطة والكاتبة الأميركية الشهيرة أنجيلا دايفس. يحوي الكتاب المؤلف من خمسة أقسام واحدة وعشرين ورقة بحثيّة كتبها أبرز المفكرين الناشطين السياسيين والأكاديميين الذين ينتمون لأجيال مختلفة. وتتمحور هذه الأوراق حول الحركات الاجتماعية والسياسية التي شهدها العالم منذ عام 2011 في ضوء أفكار المفكر الألماني هربرت ماركوزة، الذي صاغ مفهوم الرفض العظيم ونظّر لمفاهيم اليسار الجديد، شارحا تقنيات التغيير الاجتماعي والسياسي ضد الهيمنة السياسية في المجتمعات الصناعية المتطورة والرأسمالية.

هاجر ماركوزة إلى أميركا كحال الكثيرين من رواد مدرسة فرانكفورت كثيودور أدورنو ووالتر بينجامين إبان صعود النازيّة. ويعتبر من المجددين للماركسيّة، إذ تدور أفكاره حول انتقاد الهيمنة الصناعية والرأسمالية على حياة الأفراد وتحويلهم إلى أدوات للإنتاج وفي ذات الوقت للاستهلاك.

الرفض الآن

يناقش الكتاب في البداية تغيير المفاهيم عن الوقت الذي عاصره ماركوزة، فالرأسمالية أصبحت تلبي الرغبات الأساسية للأفراد ومفاهيم الحراك الاجتماعي والسياسية لم تعد لأسباب تتعلق بمقومات البقاء كما كانت في ظل المجتمع الصناعي، فرغبات الفضاء الخاص تبنتها النيوليبراليّة وأصبحت مسؤولة عنها، إلى جانب تطور تقنيات الهيمنة الأيديولوجية وأنظمة التلاعب المرتبطة بالإعلام والصناعة الثقافيّة، فالبحوث في الكتاب تقترح تطورا واستراتيجيات أخرى في سبيل خلق التغيير الجذري في المجتمع، في ظل المتغيرات الجديدة كوسائل التواصل الاجتماعي والإنترنت وتقنيات احتلال الفضاء العام جسديا، خصوصا أن حركات الاحتجاج الحالية لم تتطور لتقديم سياسات للتغير بل كانت رفضا غير ممنهج، عبر إثبات وجود جسديّ وخلخلة للأمن وعلاقات السيطرة التي تمارسها الدولة للحفاظ على الاتزان.

وتحاول الأبحاث مساءلة مفاهيم ماركوزة السابقة وإعادة تعريف النقاط المنهجية المرتبطة بها، وذلك عبر طرح ثلاثة تساؤلات جوهرية تشكل الإطار المنهجي للأبحاث، هذه التساؤلات هي، هل يفضل ماركوزة الساخطين والمبعدين على أولئك المقموعين والمحرومين، بوصف الفئة الأولى هي الفاعلة في عملية التحرر في حين أن الثانية تحمل خصائص عرقيّة لا خصائص ثقافيّة تمنعها من الحراك؟. وهل يرى ماركوزة أن عفوية وطواعية المشاركة هما أساس عملية التغيير؟. وأخيرا هل نظرية ماركوزة القائمة على أساس العفوية تحتوي القاعدة النظرية الكافية لتحويل عمليات الاحتجاج هذه إلى حركات منظمة تتحول من مجرد رفض إلى مطالب جمعية؟

تعكس هذه التساؤلات طبيعة القائمين بفعل الرفض وخصائصهم والآليات التي اتبعوها، إذ لا يتم التركيز فقط على الطبقة العاملة، بوصفها لم تعد تحمل ذات التعريف التقليدي بالمفهوم الماركسي، فالرفض يمتد ليشمل الجماعات الفرعيّة والمهمّشة والفئات التي يتم رفضها من الفضاء العام وتقنين عمليات حجبها، لتأتي الأبحاث في محاولة لجعل “الرفض” يتجاوز “الصرخة” نحو بنى متماسكة قادرة على الإطاحة بما هو قائم وطرح تصورات مغايرة.

الربيع العربي

تبدأ مقدمة الكتاب بحادثة البوعزيزي بوصفه الشرارة التي أشعلت الاحتجاجات في المنطقة العربيّة، إلا أننا نلاحظ غياب العمق في تحليل ما يحدث، وخصوصا أن “الرفض العظيم” والاحتجاج في المنطقة ناشئان عن صراع ضد الدكتاتوريّة لا ضد الرأسمالية فقط، بل ضد أنظمة قمع وهيمنة متكاملة بشكلها الأشد وضوحا وفجاجة، إذ لا يمكن مقارنة الاحتجاجات في سوريا بتلك التي شهدتها الولايات المتحدة المتمثلة باحتلال وال ستريت، أو ما حصل في باريس في ساحة الجمهورية، وخصوصا أن مفاهيم الدولة والانتماء والمواطنة ليست متماسكة في المنطقة العربيّة كحالتها في أوروبا أو الولايات المتحدة. وهذا ما يترك الكتاب مفتوحا على تساؤلات ترتبط بطبيعة النظر إلى الاحتجاجات في المنطقة العربيّة، وخصوصا أن العنف الذي تمارسه فيها الدولة ممنهج والضحايا بأعداد هائلة.

كاتب سوري

6