الرقابة الإعلامية تكرّس 30 يونيو مناسبة مقدسة

الأخطر من رقيب رسمي هو رئيس التحرير الرقيب، والمخبر الرقيب الذي يراقب رئيس التحرير إذا أخطأ.
الاثنين 2018/10/22
إعلام لا يخلو من رقيب

 في وسائل الإعلام المصرية صمت مريب على اتهامات موتورين وحمقى لما جرى في 25 يناير 2011 بأنه عملية تخريبية، مؤامرة لهدم الدولة. وتتم السخرية من ثورة شعبية وطنية بسخافات ثقيلة الظل تطلق عليها “25 خسائر”، وتمر ذكراها على استحياء، مع تشويه ذكي يفضح سوء النيات، في مقابل استباق ذكرى 30 يونيو 2013 بملاحق في الصحف وأعداد خاصة في المجلات، وبرامج حوارية في الفضائيات الحكومية والخاصة المملوكة لرجال المال.

وتوحي هذه الطقوس الموسمية بأن يوم 30 يونيو 2013 هو المنقذ من الضلال، وتقدم قراءة تهدر سياقا موضوعيا يقول إن جماعة الإخوان، منذ الإعلان الدستوري في نوفمبر 2012، فقدت رصيدها الشعبي، وخسرت كافة الانتخابات في النقابات والاتحادات الطلابية، واستعْدت القضاء والأزهر والكنيسة والإعلام والأحزاب. أما الادعاء بغير ذلك فهو محاولة لاصطناع عدو يسوّغ تكريس 30 يونيو مناسبة مقدسة لا يجرؤ أحد على انتقاد ما ترتب عليها من ممارسات استبدادية تتناقض مع الشعارات السابقة، ولا تسمح الرقابة ببث أو نشر ما يمس هذه “القداسة”.

سيجادل البعض بخلوّ وسائل الإعلام من “الرقيب” التقليدي، ولكن الأخطر من رقيـب رسمي يسهل التحايل عليه هـو رئيس التحرير الرقيب، والمخبر الرقيب الذي يراقب رئيس التحرير إذا أخطأ، من دون قصد، ونشر ما يغضب وليّ النعم. وفي تعيين رؤساء تحرير من محدودي الكفاءة المهنية ضمان كاف لإتقانهم دورا آخر هو الرقابة، وقد نجحوا بجدارة فلم تمر مادة تشيد بثورة 25 يناير، وتذكّر بشعارها الثلاثي (تغيير – حرية – عدالة اجتماعية)، كما ادّخروا الإشادات ووجهوا القداسات إلى 30 يونيو التي تحظر الإشارة إلى آثارها الأمنية والاقتصادية والسياسية التي تجعلها ثورة مضادة.

وإذا كان القرآن، بنص قول الإمام عليّ، حمّال أوجـه، فإنهم يرون 30 يونيو لا تحتمل إلا وجها واحدا، وهذا يتنافى مع طبائع الأشياء. ولو تمتعوا بحد أدنى من الذكاء المهني والسياسي لأتاحوا جرعة مخففة من انتقاد الأداء الرئاسي والحكومي، مجرد إشارات تحدث دويا صوتيا، معارك كلامية لا تصيب أهدافا، وإنما هي مصل علاجي يحصّن مواطنا ساذجا ربما يستقي معلوماته ومعارفه من قنوات غير حكومية. هذا المواطن المخدوع، أحادي البعد، ينذر بكارثة؛ فالرجعية لا تقتصر على التصور الديني، بل تمتد إلى التعبئة السياسية، وكلاهما يخلق مواطنا مهووسا دينيا أو وطنيا، قذيفة جاهزة للانطلاق وتدمير الهدف، باسم الله أو تحت راية الوطن.

وتتنوع مظاهر الرقابة من الحظر الصريح للنشر، ومنع ظهور مذيعين وضيوف في التلفزيون، إلى شراء الصحف لإراحة الدماغ. ولم تشهد الرقابة في تاريخ الصحافة المصرية حصارا لكل المعارضين، بل لغير المؤيدين، كما يجري الآن من مصادرات شملت الكتب أيضا. فقد واجه الباحث الاقتصادي عبدالخالق فاروق عنتا في استخراج رقم إيداع بدار الكتب لكتابه “هل مصر بلد فقير حقا”، ثم أبلغني في رسالة بأن قوة من جهاز الأمن الوطني قامت بمصادرة الكتاب في المطبعة، الأحد 14 أكتوبر 2018، رغم حصوله على رقم إيداع، “وبرغم أن الكتاب لا يشتم أحدا، وإنما يناقش الموضوع بالأرقام والحقائق”.

الرقيب الذي ضبط عقله الوظيفي على عقارب ساعة الستينات يجهل أن المصادرة أسهمت في إتاحة الكتاب إلكترونيا، فعبر الحدود. ذهنية الرقابة معاقة وعاجزة عن إدراك أنه حتى في ظل الحروب مع العدو الإسرائيلي والحصار الاقتصادي في الخمسينات والستينات كان هناك وعي بأهمية الاختلاف وحق الانتقاد. ففي عام 1953 أصدر خالد محمد خالد كتابه “الديمقراطية أبدا”، وجرت محاولة لمصادرته بالوشاية لدى جمال عبدالناصر وزير الداخلية آنذاك. وقال خالد محمد خالد لغالي شكري (مجلة «القاهرة» مارس 1996) إن عبدالناصر “رفض مصادرة الكتاب، وقال لمن حوله: كنت اشتري ‘مواطنون لا رعايا’ سنة 1951 وأهديه لكم جميعا لتحفظوه وتفهموه للآخرين، فهل أجرؤ على مصادرة أي كتاب لصاحب هذا الكتاب؟”.

وروى خالد أيضا واقعة طريفة تسبب فيها أحد مقالاته في تأجيل انعقاد مؤتمر للاتحاد القومي. وكانت ثورة يوليو 1952 قد أقصت أعداءها، وأعلن دستور 1956، فكتب مقالا يرى فيه الاتحاد القومي تجسيدا للحزب الواحد، وأطلع عليه صديقه أحمد حسن الباقوري وزير الأوقاف، ثم ذهب به إلى جريدة “الجمهورية” لسان حال الثورة، وقال لرئيس تحريرها أنور السادات “هناك ما يشبه مؤامرة الصمت حول الدستور وهو دستور الثورة ونظامها الجديد، فكيف لا يناقشه الناس من غير المداحين؟ لا بد من حوار واسع حول أسس النظام الثوري وشرعيته، ولذلك فقد كتبت مقالا بما له وما عليه”. فقرأه السادات وطمأنه، وفي اليوم التالي نشر “في أحسن مكان ودون حذف كلمة”. وما بين مقابلة الكاتب للسادات ونشر المقال جرت اتصالات حكاها له الباقوري، فبعد أن غادر الصحيفة اتصل السادات بعبدالناصر، وقرأ له المقال في التليفون، فأمره بنشره كاملا، واتصل عبدالناصر بوزير الإرشاد فتحي رضوان طالبا تأجيل مؤتمر صحافي يوما واحدا، فاستفسر الوزير وأجابه الرئيس “لأن مقالا لخالد محمد خالد سينشر غدا في ‘الجمهورية’ حول الدستور يقول فيه إن الاتحاد القومي بمثابة الحزب الواحد”، وأراد أن يتسنى للناس قراءة المقال قبل انعقاد المؤتمر.

مقال لكاتب مستقل كان موضوعا لحوار بين رضوان والسادات وعبدالناصر والباقوري الذي أبلغه برغبة الرئيس في لقائه بمنزله “حتى يكون لقاء الصديق للصديق”. ذهب الكاتب إلى الرئيس، ودام الحوار حول الديمقراطية ساعتين ونصف الساعة. وخلص الكاتب إلى الشعور بأنه وعبدالناصر “توأمان في الروح، أو أن نظرية التناسخ صحيحة، وأنني عشت معه في عصر مضى، إلى هذا الحد أحببت الرجل، وعلى النقيض تماما كرهت وشجبت وقاومت بقدر ما أستطيع أسلوبه في الحكم”. وكان عبدالناصر يرد على من يسألونه لماذا يترك الكاتب حرا رغم قسوته في النقد؟ فيقول “خالد ليس موتورا في نقده”. وفيما بعد قال للشيخ الباقوري “صرت أفضّل أن أقرأ لخالد ‘المعارض’، على أن أقرأ لخالد ‘المؤيد’ “.

أن ينشغل الرئيس والوزير، في ظل حالة ثورية، بمقال في صحيفة الثورة، فهذا نوع من الرقابة، استبداد تمارسه سلطة تصادف أنها مستنيرة. وفي لحظة مكاشفة، اعتذر عبدالناصر، ضمنيا في مجلس الأمة بعد هزيمة 1967، عن سلوك “دولة المخابرات التي تغلغلت وانحرفت.. اعتبر أن هذه الدولة سقطت”. والآن ارتبكت المعادلة بعد 30 يونيو، واختل طرفا الميزان، فلا تخلو مصر من أمثال خالد محمد خالد، ولكن موقع الرئاسة منذ 1970 يشغله ضائقو الصدر بالنقد، أولئك الذين تطاردهم عقدة عبدالناصر.

18