الرقابة الجزائرية تغتال المحتوى التوثيقي لفيلم "العربي بن مهيدي"

متابعون للشأن الفني في الجزائر يرون أن الجدل الصاخب حول منع الفيلم من العرض، يتعدى الجوانب الفنية والتاريخية، إلى خلافات سياسية.
السبت 2018/09/08
خلافات سياسية وراء منع عرض الفيلم

الجزائر - اشتدت القبضة الحديدية بين الحكومة الجزائرية والشركة الفنية المنتجة للفيلم التاريخي العربي بن مهيدي، بعد ما قررت وزارة الثقافة رفض عرض الفيلم ما لم تتمّ مراجعة بعض المشاهد، في حين يبدي المنتج والمخرج تمسكا بمضمونه ويرفض أي مساس به.

وأكد منتج ومخرج فيلم “العربي بن مهيدي”، على أن العمل بتوصيات لجنة القراءة التابعة لوزارة المجاهدين (قدماء المحاربين)، لحذف المشاهد التي أوردتها في ملاحظاتها، ستبقي على دقيقتين فقط من العمل الذي استغرق خمس سنوات.

وشدد في تصريحات له، بأن “الشركة لن تعيد تركيب الفيلم ولن تحذف أي مشهد، لأننا لا نريد اغتيال البطل والمناضل التاريخي العربي بن مهيدي، مرتين، مرة على يد جلاديه من الاستعمار الفرنسي، ومرة أخرى على يد الإدارة التي تريد طمس تاريخ العقل المدبر لثورة التحرير (1954- 1962)”.

واعترضت عملية إنجاز الفيلم، العديد من العوائق الفنية والمادية، حيث اضطر فريق العمل إلى التوقف عن التصوير في أكثر من مناسبة، بسبب شح الموارد المالية ونقص الإمكانيات، ما أجل موعد إنجازه وحتى عرضه في واحدة من المناسبات الوطنية.

واستغرب المخرج بشير درايس، مضمون المراسلة التي وردت إلى شركة الإنتاج من لجنة القراءة، ومما أسماه بـ”المبالغة غير المبررة في مراجعة عملية التركيب وحذف الكثير من المشاهد، ممّا لا يبقي من العمل الأصلي إلا دقيقتين فقط”.

وكلف العمل الفني خزينة الدولة نحو خمسة ملايين دولار، تعود نسبة التمويل الكبرى إلى وزارتي الثقافة والمجاهدين، إلى جانب بعض الشركات الخاصة، وتكفلت بإنتاجه شركة فنية خاصة مملوكة للمخرج بشير درايس، الذي اضطر في الخطوات الأخيرة لعملية التصوير، إلى إطلاق صرخات نجدة لاستكمال الإنجاز، بسبب مراجعة المؤسسات الحكومية لمراجعة عمليات التمويل الفني، نظرا لتقلص موازناتها.

ويذهب متابعون للشأن الفني في الجزائر، إلى أن الجدل الصاخب حول منع الفيلم من العرض، يتعدى الجوانب الفنية والتاريخية، إلى خلافات سياسية بين المخرج والمنتج وفاعلين في السلطة، على خلفية ظهوره في بعض الفعاليات السياسية المعارضة، مما أدرجه في خانة عدم الولاء للرئيس، خاصة خلال الحراك السياسي الذي سبق الولاية الرئاسية الرابعة للرئيس بوتفليقة في 2014.

ونفى المخرج بشير درايس، أن يكون الفيلم قد انحرف عن السيناريو الرئيسي، وأكد على أن فريق العمل قام بجهود مضنية في مجال البحث والتقصي عن حياة ومسار بن مهيدي، وتم الاتصال بعائلته ورفاق له، وأصدقاء وحتى جنود فرنسيين اشتغلوا أثناء فترة الاحتلال، فضلا عن أرشيف الثورة المتوفر في البلاد أو في بعض الدول.

وشدد على أن “شخصية العربي بن مهيدي، تعتبر واحدة من النخبة الرائدة التي فجرت ثورة التحرير، وتعتبر العقل المدبر لها، ولذلك فإن دوره كان سياسيا أكثر منه عسكريا، وأن قدسية الثورة لا تنفي التنوع السياسي والأيديولوجي لقادة الثورة، وهو ما يعزز مكانتها وعظمتها في التاريخ الوطني والإنساني الحديث، وأن تقديم التاريخ في قالب نمطي وأحادي لن يضيف إليه شيئا”.

ويرى المدير السابق لمؤسسة الإشعاع الثقافي والنائب البرلماني نزيه برمضان، أن “فيلم العربي بن مهيدي، المنجز بإمكانيات مالية من الخزينة العمومية يوجب على الوصاية ممارسة دورها في مصير ومضمون استثمارها، لكن ليس إلى درجة تغيير هوية الفيلم وإفراغه من محتواه، فمن غير المعقول هدر خمس سنوات من العمل وما يعادل خمسة ملايين دولار، والسيناريو الأصلي والعقد المبرم بين الطرفين موجود”.

ويعتبر تدخل الرقيب بهذا الشكل في منع فيلم من العرض، سابقة أولى في تاريخ السينما الجزائرية، لأن ما تم إنتاجه كان ضمن سياقات ضيقة، بينما فيلم العربي بن مهيدي فجر جدلا صاخبا، وغذى تجاذبات حملت تصفية حسابات سياسية، تحاول توظيف كل الوسائل، بما فيها الأعمال الفنية. وفتح المجال أمام تراشق توسع ليشمل شبكات التواصل الاجتماعي.

18