الرقابة السرية على السينما

الأربعاء 2017/10/04

من الظواهر الملموسة المؤسفة أن الرقابة على السينما في مصر لم تعد تصدر قرارات واضحة مباشرة بمنع عرض الأفلام كما كانت تفعل دائما، فقد أصبحت تكتفي الآن بوقف عرض الأفلام، أي بوضعها “على الرف” على غرار ما كان يحدث في الاتحاد السوفيتي، من دون أن تقدم تبريرات أو أسبابا محددة لقراراتها السرية.

هذا “التعليق” السري الغامض لا يتيح لـ”الجماعة الثقافية” أن تناقش الأمر، كما لا يسمح لأصحاب الفيلم أن يطعنوا في قرار الرقابة ويقوموا بتصعيد الأمر إلى “لجنة التظلمات” لكي تقطع برأي نهائي في الموضوع.

في معظم بلدان العالم لم يعد جهاز الرقابة جهازا للمنع أو التصريح، بل مجرد لجنة لتصنيف الأفلام حسب أعمار المشاهدين، وهو ما زعم القائمون على الرقابة في مصر منذ سنوات بأنهم أصبحوا يأخذون به، لكن الواقع يكذّب هذا الزعم، فقانون الرقابة ببنوده التفصيلية لا يزال قائما، وهو ينص صراحة على حق الرقيب في الحذف والمنع، بل ولا تزال هناك أيضا رقابة على السيناريو نفسه قبل التصوير.

هذا النوع الجديد من “الرقابة الصامتة” تتعرض لها حاليا ثلاثة من أفضل ما أنتج في السينما المصرية خلال الفترة الأخيرة، وهذه الأفلام الثلاثة هي “آخر أيام المدينة” لتامر السعيد، و”أخضر يابس” لمحمد حماد، و”زهرة الصبار” لهالة القوصي.

والمخرجون الثلاثة من الشباب الواعدين، وأفلامهم تتميز بمستواها الفني وقد حققت بالفعل نجاحات كبيرة في عروضها بالمهرجانات السينمائية الدولية، وحصلت على جوائز كثيرة، ومنها ما توفرت لها فرصة العرض العام في العواصم الأوروبية.

بعض الجهات ربما تعتبر فيلم “آخر أيام المدينة” عملا “مزعجا” بسبب تصويره جزئيا وعلى نحو عابر بعض الاحتجاجات التي شهدتها مصر في 2009، وربما يكون سبب “تعليق” الفيلم على الرف ورفض منحه ترخيصا بالعرض العام أو إصدار قرار واضح بمنعه مصحوبا بأسباب ومبررات المنع، عنوانه الذي قد يوحي للبعض بأنه يتنبأ بنهاية “المدينة”، وهو ما قد تعتبره تلك الجهات “الغامضة” التي تتحكم في توجيه جهاز الرقابة، “نذير شؤم” في وقت مطلوب أن يحتفل الناس بالإنجازات الكبيرة التي تنهال على رؤوس المصريين.

ولكن ماذا عن الفيلمين الآخرين؟ لماذا تحجم الرقابة الموقّرة عن منح تصريح للفيلمين بالعرض العام؟ هل أصبحت مهمة الرقابة الآن معاقبة المخرج الذي يفوز فيلمه بجوائز دولية، أم أن المسألة تتعلق بمزاج السيد المسؤول عن الرقابة؟ أو لعله مشغول في مهامه الأخرى العديدة بعد أن أصبح، بقدرة قادر، مسؤولا عن إدارة جميع ملفات السينما في مصر، من أول صندوق دعم الأفلام الذي نجح في وقف عمله، رغم الإعلان الرسمي عن زيادة الاعتمادات المخصصة له، إلى حد مسؤوليته في إدارة المركز القومي للسينما، وهو الجهة الحكومية الرسمية التي تشرف على السينما في مصر كما يفترض أيضا أنه ينتج بعض الأفلام التسجيلية سنويا.

هذا المركز أصبح مسؤولا منذ سنوات عن تنظيم المهرجان الدولي الرسمي للأفلام التسجيلية والقصيرة الذي تقيمه الدولة رسميا في مصر في مدينة الإسماعيلية، وقد كان من الطريف أن يستجيب السيد رئيس المركز ورئيس المهرجان بحكم منصبه لما طلبته الجهات الرسمية، فأوقف دورة المهرجان الأخيرة في أبريل الماضي قبل يومين من موعد الختام بما يقتضيه هذا من سرعة التخلص من الضيوف الأجانب وترحيلهم على وجه السرعة خارج مدينة الإسماعيلية لإخلاء المدينة لمناسبة رسمية أخرى عظيمة الشأن!

ما الذي يمنع السيد الرقيب من إصدار قرار صريح بمنع هذه الأفلام الثلاثة، حتى يصبح الأمر مطروحا في هذه الحالة للنقاش العام؟ وما سرّ هذا الصمت الرهيب الذي يجعل نقاد السينما في مصر بجمعياتهم وتجمعاتهم يغضّون الطرف عن القضية برمتها، فإن لم يكن الدفاع عن حق المخرجين الشباب في عرض أفلامهم الأولى، والأفلام الثلاثة، بالمناسبة، هي الأفلام الأولى لمخرجيها، فما هو دور هذه الجمعيات بالضبط؟

ناقد سينمائي مصري

16