الرقابة العربية المتحدة

الأربعاء 2017/05/17

الواضح أن التنسيق في مجال “الأمن الثقافي” أي خنق حرية التعبير الفني، بلغ درجة عالية، خاصة بعد نجاح وأد موسم “الربيع العربي” وتحويله إلى خريف عاصف مليء بالمجازر وحمامات الدم، وأشياء أخرى!

أجهزة الرقابة في معظم بلدان العالم العربي تمنع فيلم “مولانا” الذي كتب قصته إبراهيم عيسى وأخرجه مجدي أحمد علي، لا لسبب يمكن تصوره أو فهمه، بل ببساطة لأنها “تخشى” أن تكون لعرض الفيلم ردود فعل غاضبة من قبل بعض رجال الدين الإسلامي الذين ربما لا يعجبهم ما يوجهه الفيلم من انتقادات لانتهازية بعض المشايخ الذين يستخدمون الدين ويطوعونه لإرضاء رجال السلطة ولتضليل الناس عن أمور كثيرة تمس حياتهم، كما ينتقد التعاون المشبوه بين عدد ممّن يطلق عليهم “الدعاة الجدد” أو شيوخ الفضائيات، وبين الأجهزة الأمنية.

ومن المثير للدهشة أن هذا الفيلم الذي يتناول -من خلال رؤية فنية- واقعا تعرفه مصر جيدا منذ أكثر من 25 عاما، لم يواجه مشاكل مع الرقابة المصرية، ومضى دون أن يثير ما كان منتظرا من زوابع وفرقعات إعلامية، دون أن يخلو الأمر بالطبع من محاولات بعض هواة الشهرة ومدمني إقامة الدعاوى القانونية لوأد أي رأي مخالف.

ولكن كان من الغريب أن تحظر الرقابة اللبنانية عرض الفيلم نفسه في لبنان الذي يُعد من أكثر الدول العربية انفتاحا وتحررا في مجال التعبير الأدبي والفني بل والسياسي.

وقد فُهم المنع على أنه جاء تحسبا لغضب جهة ما قد ترى أنه يسخر من طائفة دينية معينة في بلد يعاني أصلا من الانقسام الطائفي، وهو تبرير لا يستند إلى أسس حقيقية، فالفيلم، أي فيلم، ليس هو الذي يمكن أن يثير القلاقل، طالما أن المشكلة الحقيقية تكمن في الواقع نفسه، فليس من الصواب الإدعاء بأن المنع سيصرف النظر عما هو قائم من سلبيات، فسوف تستمر وتتفاقم طالما عجز المجتمع عن التعامل معها كما ينبغي.

لم يقتصر منع “مولانا” على لبنان فقط بل حذت دول عربية عديدة حذوه فمنعه الرقيب الأردني والكويتي وغيرهما، وعلى حد علمي كان المغرب الدولة العربية الوحيدة التي أتيح للجمهور فيها مشاهدة الفيلم ولو من خلال مهرجان سينمائي محدود، وربما يجد الفيلم طريقه قريبا إلى دائرة التوزيع التجاري.

لكن مشكلة “مولانا” ليست المشكلة الوحيدة، ففي لبنان -ومعظم الدول العربية أيضا- حظرت الرقابة بتنسيق مثير للدهشة والعجب، عرض الفيلم اللبناني “بيت البحر” باستثناء تونس التي سمحت بعرضه ضمن مهرجان قرطاج وربما تكون قد منعته بعد ذلك، فالمعروف أن المهرجانات السينمائية توفر نافذة محدودة لعروض الأفلام.

أما ذريعة حظر الفيلم في بلد المنشأ، فهي أنه “يروّج للمثلية الجنسية الذكورية ويسيء لصورة المرأة التي يظهرها تستجدي الجنس من رجل يرفضها”.

وقد شاهدت الفيلم، وهو أول فيلم روائي طويل لمخرجه روي ديب، ولم أجد فيه أي “ترويج” من أي نوع للمثلية الجنسية، وما وجدت فيه أي إهانة للمرأة، وما رأيت أنها تستجدي الجنس، بل ولا يوجد فيه أصلا أي مشهد جنسي، فالفيلم يقوم على لعبة تتضمن الكثير من الخيال والقصص التي يبتدعها أبطاله عن أنفسهم أو عن غيرهم. لكن الواضح أن الصورة التي يقدمها لأربعة من الشباب الذين يشعرون بالإحباط والانفصال عن مجتمعهم، لم تعجب الرقابة.

وليس من المفهوم كيف تتذرع الرقابة العربية دائما بكلمة “الترويج”، دون أن تشرح ما تقصده، فما معنى الترويج بالضبط، وهل هناك مخرج سينمائي يصنع فيلما يمكنه أن يقول فيه بشكل واضح: إنني أدعو الشباب إلى المثلية الجنسية؟

الحقيقة أن تضامن الرقباء العرب هو الوجه الآخر للشكل الوحيد الذي يجمع العالم العربي كصدى للتنسيق الحقيقي بين وزراء الداخلية من أجل الوقوف صفا واحدا في وجه المبدع العربي، وهو ما أصبح يقتضي وقفة تضامن مشترك ومضاد من جانب السينمائيين العرب.

ناقد سينمائي مصري

16