الرقابة العشائرية تضيف بصمتها على الإعلام العراقي

تحولت التهديدات العشائرية ضد عدد من الصحافيين العراقيين، إلى ظاهرة خطيرة ازداد انتشارها بعد عامي 2016 و2017، وأضافت مصاعب جديدة على العمل الصحافي، إلى جانب الرقابة الحكومية وسطوة الأحزاب السياسية وتهديدات الجماعات المسلحة، في ظل عجز الدولة عن تأمين أدنى حماية للصحافيين.
الأربعاء 2017/03/08
الصحافة بيد من؟

بغداد- تمثل الضغوط العشائرية عنصرا رقابيا جديدا للعمل الصحافي في العراق، يضاف إلى الرقابة الحكومية والحزبية وتهديدات الجماعات المسلحة، ما زاد من المصاعب التي يواجهها الصحافيون، ليجدوا أنفسهم بين خيارين؛ إما الابتعاد عن القضايا التي تزعج العشائر وإما الابتعاد عن المهنة.

ورصد بيت الإعلام العراقي في تقريره السابع والعشرين، الضغوط التي يتعرض لها صحافيون وإعلاميون من جهات عشائرية وقبلية، إذ بدأت هذه الضغوط تتحول إلى ظاهرة خطيرة تهدد حياة الصحافيين كما حدث لفريق برنامج “ولاية بطيخ” الكوميدي الذي يعرض على قناة “هنا بغداد” المحلية، حيث تعرض قبل أسبوعين، لتهديدات مسلحة وابتزاز من قبل جهات مسلحة بعد ظهور مشهد في إحدى حلقات البرنامج انتقد ظاهرة سطوة العشائر في المجتمع العراقي تضمن أهزوجة لإحدى العشائر التي عدتها إهانة لها.

وتطور التهديد إلى مهاجمة منزل مخرج البرنامج علي فاضل، وإطلاق نار من قبل جماعة مسلحة مجهولة، ولم يصب أي من الموجودين في المنزل خلال الهجوم، فيما وصف فاضل الهجوم “بالإرهابي” وطالب السلطات العراقية بفتح تحقيق في الحادثة وكشف الجناة. وأحصى التقرير العديد من الحالات لتعرض صحافيين إلى تهديدات عشائرية خلال السنوات الماضية شملت تهديدات مباشرة بالقتل وإجبار صحافيين ومؤسسات إعلامية على دفع أموال إلى عشائر بما يعرف بـ”الدية العشائرية”، والاحتجاز من قبل مجموعات عشائرية.

غالبية التهديدات التي تعرض لها صحافيون ومؤسسات إعلامية من جهات عشائرية لها خلفيات حزبية وسياسية

وقال الإعلامي الرياضي حيدر زكي مقدم برنامج أستوديو الجماهير من قناة دجلة، إنه تعرض لتهديد عشائري من عائلة مدرب المنتخب الوطني العراقي راضي شنيشل، على خلفية انتقادات وجهها زكي لأداء المنتخب تحت إدارة شنيشل في المرحلة الأولى من تصفيات كأس العالم في روسيا. وتحول التهديد العشائري لاحقا إلى دعوى قضائية رفعها شنيشل في محكمة النشر ضد حيدر زكي مطالبا بدفع تعويض مقداره مليار دينار.

كما أسفر اعتداء حراس شيوخ عشائر على عدد من الصحافيين أثناء تغطيتهم لمؤتمر العشائر والقبائل العراقية، الذي أقيم وسط بغداد لدعم وزير الدفاع المقال خالد العبيدي، عن إصابة مراسل قناة الحدث الفضائية بجروح وتكسير كاميرات تعود لوسائل إعلام أخرى مشاركة في تغطية المؤتمر.

وأصبحت ظاهرة التهديد العشائري للصحافيين واسعة الانتشار خلال عامي 2015 و2016 بعدما كانت تمثل حالات نادرة خلال الأعوام السابقة، في مؤشر خطير على تزايد الرقابة على الإعلام العراقي إلى جانب الرقابة الحكومية والحزبية، وهي جزء من ظاهرة عامة بدأت تطال فئات اجتماعية عديدة مثل الأطباء.

واستعرض الصحافي مصطفى الجليحاوي مدير برامج إذاعة “سما الديوانية”، تجربته مع التهديدات العشائرية، وقال إنه تعرض لتهديدات بالقتل من قبل جماعات متنفذة في المحافظة، اقتحمت لاحقا مبنى الإذاعة وهددت أفرادها بالقتل قبل أن يقوموا بكتابة عبارة “الإذاعة مطلوبة دم” على جدران المبنى للإيحاء بإغلاقها من قبل جهة عشائرية، وأن القتل سيكون مصير من يقوم بفتح المبنى من جديد.

وأوضح الجليحاوي أن التهديد جاء إثر قيامه بانتقاد بعض العشائر على حسابه الشخصي في فيسبوك، وأنه قدم شكوى قضائية بحق المعتدين الذين خرجوا من الحجز بكفالة بعد أيام ليواصلوا تهديداتهم ضده. ولاحظ التقرير أن غالبية التهديدات التي تعرض لها صحافيون ومؤسسات إعلامية من جهات عشائرية لها خلفيات حزبية وسياسية تتعلق بصفقات فساد إداري ومالي وانتقاد قرارات صادرة عن مسؤولين في الدولة العراقية.

بيت الإعلام العراقي رصد في تقريره السابع والعشرين، الضغوط التي يتعرض لها صحافيون وإعلاميون من جهات عشائرية وقبلية، إذ بدأت هذه الضغوط تتحول إلى ظاهرة خطيرة تهدد حياة الصحافيين

ويرفض غالبية الصحافيين اللجوء إلى عشائرهم لمواجهة عشائر خصومهم، فيما اختار بعضهم ترك العمل الصحافي بسبب تقصير السلطات الحكومية في توفير الحماية لهم في مؤشر خطير على تراجع حرية الصحافة في البلاد.

ووجد التقرير أن البعض من حالات التهديد العشائري جاءت بعد خسارة مسؤولين في الدولة دعاوى قضائية أقاموها ضد صحافيين كسبوا بدورهم الدعاوى بموجب القوانين النافذة، وهو ما يشير إلى لجوء المسؤولين إلى الإجراءات العشائرية التي تتم خارج سلطة الدولة، وفي أغلب الحالات تعجز السلطات الحكومية عن منعها وتنأى عن التدخل فيها في تخل واضح عن مسؤوليتها بفرض القانون.

ولاحظ التقرير أنه خلال الشهور الماضية، بدأ مسؤولون حكوميون يتجاهلون اتباع الطرق القانونية عبر المحاكم واختاروا اللجوء إلى الأعراف العشائرية مباشرة ضد صحافيين ومؤسسات إعلامية مستغلين ضعف الدولة ومؤسساتها الأمنية في فرض القانون المدني بالرغم من أن بعض هؤلاء مسؤولون كبار في الدولة.

وطالب التقرير في توصياته، الحكومة العراقية بتوفير الحماية للكوادر الإعلامية من التهديدات العشائرية عبر استخدام قواتها الأمنية في ذلك واستثمار علاقاتها مع العشائر لوضع حد لتهديد الصحافيين والإعلاميين، وضرورة قيام الجهات الأمنية بالكشف عن نتائج التحقيق في الاعتداءات المسلحة التي تعرض لها صحافيون ومؤسسات إعلامية ومعاقبة الأفراد المسؤولين والمتورطين بدلا عن السكوت عنها، إذ أن كشف الجهات التي تقف وراء ذلك يشكل أحد العوامل الرادعة لتفاقم هذه الظاهرة الخطيرة.

ودعا الفعاليات المدنية والاجتماعية إلى التواصل مع الجهات العشائرية والشروع في حملات تثقيف وتوعية بخطورة إقحام العشائر في نزاعات ذات طابع قانوني متعلق بحرية الصحافة في البلاد، باعتبار أن الكثير من حالات التعرض للصحافيين حملت في ظاهرها طابعا عشائريا ولكن تبين في الحقيقة أن جهات فردية أقدمت على ذلك دون تنسيق من شيوخ العشائر.

18