الرقابة نجم المسلسلات الأردنية في رمضان

الدراما البدوية تسقط في التكرار والاجتماعية في النقد الخجول والكوميديا أنهكها الابتذال.
السبت 2021/05/01
"كرم العلالي" يشير من بعيد إلى النقد السياسي ولا يدخل فيه

تنوّعت الخيارات الدرامية في المشهد التلفزيوني الأردني خلال الموسم الرمضاني لتشمل تسعة مسلسلات توزّعت بين الأعمال الكوميدية والاجتماعية والدراما البدوية. لكن هل حقّقت هذه الأعمال آمال المشاهدين في عودة قوية للدراما الأردنية مثلما كانت منذ نصف قرن حين غزت الشاشات العربية؟ وهل نافست المسلسلات العربية الأخرى في زمن تعدّدت فيه القنوات والشاشات والخيارات؟

عمان – تشهد الدراما الأردنية وفرة إنتاجية خلال الموسم الرمضاني الجاري، فهناك تسعة مسلسلات، سبعة منها أردنية بالكامل، وواحد مشترك أردني سوري، وآخر أردني يمني.

وتتنوع الأعمال المعروضة بين القوالب الاجتماعية والبدوية والكوميدية بمشاركة نخبة من الممثلين الأردنيين. ففي إطار الكوميديا تبث الشاشات المسلسلات: “بلاقي عندك شغل” و”ياسمين وصبري” و”أربعة في واحد” و”وطن على وتر”، وتعالج الأعمال: “كرم العلالي” و”لعبة الانتقام” مواضيع اجتماعية، بينما يأتي “جلمود الصحارى” و”الحنين إلى الرمال” ضمن الدراما البدوية.

أما المسلسلان المشتركان فهما “صقار” من بطولة فنانين أردنيين وسوريين، و“عيال قحطان” بمشاركة يمنية، والعملان يحملان طابعا بدويا.

ومن هناك بدا للوهلة الأولى أن المشاهد الأردني وجد نفسه هذا العام أمام خيارات كثيرة للمتابعة مع هذه الحصة الكبيرة من الدراما المحلية والتي علق تصوير بعضها منذ الموسم الماضي واستكمل طاقمها إنتاجها بعد الخروج من إغلاقات كورونا، وأنتج القطاع العام ممثلا بالتلفزيون الأردني والقطاع الخاص بعض الأعمال الجديدة. فهل لبّت انتظارات المُشاهد؟

صراع مكرّر

مخلد الزيودي: الدراما البدوية ظلت تدور في فلك الثيمات القديمة المكرّرة

يجد المخرج والكاتب الأردني مخلد الزيودي أن تكرارا واضحا في المضمون يطبع مسارات المسلسل البدوي وأشكال الصراع الدرامي المفترض القائم على النزاع على المراعي ومصادر المياه، والنزاع على مركز شيخ العشيرة وحبك المؤامرات والدسائس وقضايا الثأر والحب.

أما من حيث الشكل، فالتكرار واضح للصورة بوصفها متتالية بصرية ورسما للأحداث بالصورة، ومرد ذلك إصرار المخرج على نقل بيئة الأحداث كما هي في الواقع، صحراء قاحلة وبيوت شعر متناثرة. وبناء عليه، يقول الزيودي إن مسلسل “الحنين إلى الرمال” يعيد إنتاج المسلسل البدوي بنفس القالب الذي اعتاد المشاهد عليه منذ ما يزيد عن خمسة عقود.. سلب ونهب وقتل يمتزج مع قصة حب وغموض وبحث عن سرّ عشبة للعلاج.

ويرى الزيودي في مسلسل “جلمود الصحارى” محاولة تبدو في الاتجاه الصحيح لتمكين المرأة من خلال حكاية فتاة جميلة وذكية تتاح لها فرصة التعليم بدعم وتشجيع من والدها شيخ العشيرة.

ويقع البطل جلمود بحبها رغم المشاكل التي وقعت بين طرفي المعادلة لتجد الفتاة نفسها مجبرة على الزواج منه كشرط من شروط الصلح حسب التقاليد والعادات البدوية.

حكاية مكرّرة في الدراما الأردنية والعربية، وناقضت الفكرة التي قام عليها المسلسل لتكرّس فكرة مجتمعية بائسة: إن مكان المرأة مهما علا شأنها هو البيت وخدمة الزوج وإنجاب الأطفال، وهي إلى جانب هذا ضحية تدفع ثمن صراعات المجتمع الذكوري.

غازي الذيبة: المسلسلات الاجتماعية تخجل من إظهار السلبيات بشكل مباشر

ويعتقد المخرج الأردني خليل نصيرات أن المسلسلات البدوية المعروضة بقيت حبيسة طرفي الصراع: بين شيخ القبيلة الواجبة طاعته حتى لو أخطأ، وبين سارق الماشية، رغم أن أركان الحكم في القبيلة البدوية كانت ثلاثة أركان وهي: شيخ القبيلة، عقيد القوم الذي بيده قرار الحرب والقاضي، وكذلك الأمر في ثقافة البدو، فلا نشاهد سعيا وراء العلم بأن تظهر صورة أطفال يذهبون إلى الدراسة “حتى لو عند الكتاب، إذا كنا نتحدّث عن زمن سابق أو مدرسة في زمن حاضر”.

ولا تتطرّق الدراما، كما يؤكّد نصيرات “للموروث الشعبي أو التراث باستثناء عازف الربابة و’الدحية’ التي لم نعد نراها أيضا، أو طقوس طهور الطفل أو صلاة الجماعة، إضافة إلى غياب الشخصيات التاريخية؛ كأن يظهر ‘عرار’ أو ‘سلطان باشا الأطرش’ ضيفا عند قبيلة ما”.

ويضيف “لم نشاهد أيضا ربطا تاريخيا بين القبائل الممتدة على طول خط الحجاز والتي كانت تتكفل بحماية حجّاج بيت الله الحرام واستضافتهم، وكل ما نشاهده أن هذه القبيلة قادمة من فراغ، فالمحتوى في الدراما البدوية لا يتطوّر ولا يتشعّب، وجشع المنتج ويأس الممثل لم يدفع بهذه الدراما للتقدّم رغم الإرث الكبير الذي تمتلكه”.

ويعتبر الزيودي أن مسلسل “لعبة الانتقام” الذي يعالج الفساد، نسخة مكرّرة للعديد من الأعمال التلفزيونية السابقة، إذ لم يتجرأ القائمون عليه على رصد موقف الرأي العام من هذه القضية التي تعتبر أكبر القضايا إلحاحا وتداولا.

أما مسلسل “كرم العلالي” فيروي قصة قريتين افتراضيتين تحملان اسم “الكرم والعلالي” وصراعا مفتعلا بين أبناء القريتين يخطّط له المختار بالخفاء ليحقّق مصالحه الخاصة لتندفع إحدى السيدات وتلعب دور المصالحة بين الفرقاء وتدعوهم إلى الوحدة وعدم الاستجابة للفتنة والأكاذيب، وتدعو المختار إلى أن يكفّ عن العبث بمصائر الناس وأن يوحّد القريتين في مواجهة أطماع الطامعين.

وهو يرى أن العمل قدّم إسقاطا سياسيا جاء على استحياء في زمن تطرح فيه الدراما الأحداث والوقائع بشكل مباشر وتسمّي الأشياء بمسمياتها.

 

عمر نقرش: الأعمال الكوميدية نشاز فني فوضوي هدام بلا هوية ولا هدف

أما الشاعر والسيناريست الأردني غازي الذيبة فقد عبّر بشكل مباشر عن يأسه مما يعرض على الشاشة الأردنية، فبعد أن شاهد بعض الأعمال شعر بالإحباط وأدار “الريموت كونترول” إلى القنوات التدفقية، فالدراما المحلية برأيه تخجل مثلا من ذكر الأماكن التي تدور فيها الأحداث، وتخجل من إظهار السلبيات، وإذا أظهرتها فبغلاف منمّق، يبدو مريحا للمشاهد ولا يخدش الصورة النمطية للوطن والمواطن، وهي صورة خاضعة للتعليمات الأمنية وثاني أكسيد المنع، فلا حرية للتعبير، ولا مجال لقول ما هو مسكوت عنه.

ويعتقد المخرج نصيرات أن الدراما الاجتماعية هذا العام تشير من بعيد إلى النقد السياسي ولا تدخل فيه، فالرقابة مركبة في هذه الأعمال الحائرة بين منطقتي الفن والإعلام؛ فهي ليست بالسينما أو المسرح، ذلك أنها تأخذ من الدراما عناصرها ومن شاشة الإعلام وسيلتها للعرض.

وبالتالي فإنها تدخل البيوت، ممّا فتحت شهية الرقابة الأشد فتكا عليها سواء من إدارات المحطات التلفزيونية أو من الرقابات الحكومية، أو حتى من سلطة الأب والأم في البيت، حتى اعتادت الدراما التلفزيونية على هذه الرقابة لدرجة أنها باتت من ضمن عناصرها الفنية، حيث المحدّدات أصبحت تخضع للرقابة الذاتية من قبل العمل وطاقمه قبل أي رقيب آخر، وهو ما يجرّدها من حرية الكلمة وحرية الصورة وحرية الفعل الدرامي، ولم يعد منتجوها يلجأون إلى ألعاب درامية وذكاء سيناريوهات للتحايل على الرقابة، فالرقابة أصبحت رداء العمل بكل فخر حسب ما يشعر به القائمون عليها حتى أنهم يتباهون بالحفاظ على محدّدات الرقابة.

ويعتقد الناقد عمر نقرش أن أقل ما يمكن أن توصف به معظم الأعمال الكوميدية المحلية الرمضانية وخاصة “وطن على وتر” بأنها نشاز فني فوضوي هدام يخلو من الفكرة والهدف الذي يتوافق مع خصوصية شهر الصيام، ويسعى فقط لافتعال وانتزاع الإضحاك بشكل مبتذل وممل ومكرّر، وذلك من خلال نماذج لمهرجين لا يملكون أدنى موهبة تمثيلية بقدر ما يمتلكون جرأة العبث بالتراث الفني الأردني في إطار الجريمة الدرامية المنظمة.

تسطيح واستسهال

Thumbnail

يبدو العمل الكوميدي في رأي نقرش “مسخا فنيا مفكّكا بلا هوية معتمدا على ‘الأفيهات’ التي لا تخرج عن الهراء والإثارة المصطنعة والادعاء الأجوف، والتلميحات الجنسية الفجة والممجوجة، التي تلوّث وتسطّح الذوق العام والعقل والقلب والفكر والوجدان”.

أما الزيودي فيجد أن مسلسل “بلاقي عندك شغل” والذي يعالج بقالب كوميدي ارتفاع نسب البطالة بين الشباب وعدم توفّر فرص عمل لهم، جاء بأسلوب سطحي من حيث المضمون وعدم ترابط حلقاته من حيث البناء الدرامي وتسلسله المنطقي نتيجة اعتماد أسلوب الحلقات المنفصلة المتصلة، معتمدا الكوميديا في عرض المشكلة التي تعد الشغل الشاغل للمجتمع الأردني الذي تزيد فيه نسبة الشباب عن النصف.

يعتقد الزيودي أن الأعمال الدرامية الأردنية المقدّمة في رمضان الحالي لا يمكنها بأي حال من الأحوال أن تنافس غيرها لا على صعيد الشكل ولا المضمون.

"جلمود الصحارى" معالجة درامية جيدة لتمكين المرأة عبر حكاية فتاة تتاح لها فرصة التعليم بدعم من والدها

ويجد أن هناك شبه إصرار من القائمين عليها وبتشجيع وتمويل من التلفزيون الأردني كونها تعيد إنتاج واقع البادية والريف في الربع الأول من القرن الحادي والعشرين، وبأثر رجعي وبأدوات مكرّرة ومعادة حد النقل عن أعمال قدّمت منذ سبعينات القرن الماضي.

ولم يستفد التلفزيون الأردني من تجاربه الناجحة، على قلتها، لتصبح نموذجا أو مقياسا لا ينبغي التنازل عنه، منها على سبيل المثال مسلسلات “هبوب الريح”، “حدث في المعمورة”، “الكف والمخرز”، “قرية بلا سقوف” وآخرها مسلسل “أم الكروم”.

ويضيف أن هذه الأعمال وإن قدّمت وجوها شبابية جديدة، إلاّ أنها لم تلامس هموم المشاهد – جيل الشباب اليوم- وهذا دليل على أن كاتب السيناريو والمخرج بعيدان عن الواقع المعيش الذي يفترض بهما مواكبته ورصده وأخذ زمام المبادرة للتعبير عنه من خلال إعادة إنتاجه وعرضه، وفق قانون الدراما القائم على الاختزال والتكثيف وصولا إلى تشخيص الحالة ونسج خيوط الحكاية ببعدها الإنساني، لتتقاطع في النهاية مع المشاهد وتترك لديه أثرا يُسهم من خلال عملية التراكم في صياغة وتوجيه الرأي العام، وإن بدأ مؤثرا ضمن نطاق دائرة محلية إلا أنه وبالضرورة سيُحدث أثرا يحمل بعدا إنسانيا.

ويرى الزيودي أن هذه الأعمال لن تستطيع تسجيل نسب مشاهدة تذكر، لأن القائمين عليها لم يتمكنوا من التقاط اللحظة الراهنة والكم الهائل من الأحداث ذات الطبيعة الدرامية والتي تحدث على مدار الساعة وتتسارع وتتغيّر أمام أعينهم، وما تحدثه من تأثيرات اجتماعية واقتصادية تُخلّ بتوازن الفرد والمجتمع والمحيط الإنساني من حوله.

ويعتقد الذيبة أيضا أن الدراما الأردنية لا تستطيع المنافسة، فما يعرض في شهر رمضان على الشاشات المحلية، بائس وهزيل ويخضع لقانون الرداءة. ويرى أن “الرداءة تتمسّك بالتوجهات الرسمية في خلق مناخ محدود الأفق، محكوم بإملاءات المؤسسة التي لا يعمل فيها فنانون، أو مثقفون فعليون، كما تخضع لسوق إنتاجي هزيل، يفكّر في الإنتاج وتسيير عجلة وجوده دون أدنى تصوّر لوضع أرضية تنهض عليها الأعمال الفنية لتقدّم للمترقبين صورهم وعوالمهم وأنفاسهم”.

ويرجع الذيبة عدم قدرة الدراما الأردنية على المنافسة إلى أن المشتغلين في هذا القطاع لم يستطيعوا حتى الآن تأسيس حالة فنية ذات تقاليد راسخة وبنى واضحة تمكّنهم من العمل عن طريقها وتطوير مفاهيمهم وأفكارهم وأدواتهم في ظلالها، كما يحدث في بلدان العالم.

ويقول “ما نزال ننام في صندوق الذكريات بأن الدراما الأردنية رائدة، أعني الأعمال البدوية البائسة، التي صوّرت الأردن كله، عبارة عن خيمة ومجموعة محاربين قساة، يقولون الشعر البدوي، ونتباهى بأننا قدّمنا فنانينا للعالم العربي، وننسى في تفاخرنا بأننا لم نؤسّس فعليا لأرضية يقف عليها فناننا لنقدّمه للعالم العربي، فالدراما ليست مقصورة على ما أنتج في سنوات الازدهار كما نزعم”.

ويضيف “للحقيقة، حين لاقت إقبالا، حينها، فذاك لأنه لم يكن هناك سواها، أما الآن، وفي كل رمضان نقف أمام مؤسسة تلفزيون وإذاعة وطنيين، لم يتمكنا منذ تأسيسهما في ستينات القرن الماضي من اجتراح حالة فنية واحدة، تجعلنا نتوقّف أمامها مندهشين”.

الرقابة رداء غليظ يجثم على صدر الدراما ويعرقل تطوّرها
الرقابة رداء غليظ يجثم على صدر الدراما ويعرقل تطوّرها
"وطن على وتر" مواقف كوميدية مكرّرة بلا هوية ولا هدف
"وطن على وتر" مواقف كوميدية مكرّرة بلا هوية ولا هدف
"بلاقي عندك شغل" معالجة سطحية لمشكلة البطالة الحارقة
"بلاقي عندك شغل" معالجة سطحية لمشكلة البطالة الحارقة

 

15