الرقاب.. مدينة حررت رقاب التونسيين مرتين

نجحت مدينة الرقاب التابعة لمحافظة سيدي بوزيد، خزان الحركات النقابية والنضالية، في أن تصبح واحدة من بين سبع مناطق زراعية تونسية تستقطب برامج الدعم الاقتصادي من مؤسسات دولية وأوروبية، على الرغم من كونها ظلت بعيدة عن أولويات السلطة المركزية، إلى جانب قساوة مناخها وقلة مواردها الفلاحية.
الأربعاء 2018/03/14
النجاح رهين اعتماد كلي على الموارد والإمكانات الذاتية

تونس - كثيرا ما يتم التلويح بدور مدينة سيدي بوزيد، التي أشعلت انتفاضة تونس ضد حكم الحزب الواحد في يناير 2011، وأججتها حادثة انتحار بائع الخضار محمد البوعزيزي حرقا، والذي دفع بموته الآلاف من الغاضبين للنزول إلى الشوارع، لكن في المقابل فإن القليلين من ينوهون بدور مدينة الرقاب في تحرير رقاب التونسيين.

وتحتفظ مدينة الرقاب بشرف تحرير التونسيين مرتين على الأقل. أولها في حقبة الاستعمار الفرنسي والثانية تحت الحكم الفردي.

ويتناقل أهل المدينة حتى اليوم تفاصيل الليلة المرعبة أيام الانتفاضة في أواخر 2010، حينما حاصر الآلاف من قوات الأمن القادمين من عدة محافظات مداخل مدينة الرقاب وأغلب شوارعها بمساعدة القناصة، بهدف إخماد نيران ثورة بدأ لهيبها يتسع كل لحظة ويهدد وجود النظام.

وكان يتعين على تلك القوات المطوقة لمدينة الرقاب على بعد كيلومترات من قلب سيدي بوزيد أن تخمد الثورة في مهدها، إذ أنها كانت تدرك بأنها تخوض معركة فاصلة يتوقف على نتيجتها مصير النظام، وربما الحكم الفردي الذي امتد على عقود طويلة منذ تأسيس دولة الاستقلال، وقبلها على مدى قرون في رحاب الأنظمة الملكية المتعاقبة على تونس.

لكن المدينة صمدت في ليلة الرعب وقدمت ستة قتلى من بين المدنيين المحتجين، لتمنح بعد ذلك دفعة قوية للانتفاضة التي واصلت الانتشار في البلاد مثل النار في الهشيم، من مدينة إلى أخرى حتى أدركت العاصمة يوم 14 يناير 2011، أين لفظ النظام آخر أنفاسه رغم المقاومة البوليسية اليائسة.

وعند مدخل الرقاب ينتصب اليوم نصب تذكاري يخلّد شهداء الانتفاضة ويذكّر الساسة الذين يرفلون في نعيم الديمقراطية بعد الانتقال السياسي، باستحقاقات المدينة التي منحت من دماء أبنائها في سبيل أن ينهض الوطن دون أن تحصد المكافأة. وعرفت الرقاب عبر تاريخها، حتى قبل أن تصبح مدينة، كخزان للحركات النقابية والنضالية وقد طبع ذلك مزاج القبائل والعشائر التي سكنت هذه المنطقة، ما جعل هذه الأرض منطلقا للكثير من الاحتجاجات والانتفاضات بوجه الحاكم والمستعمر.

وكان للمدينة دور ثابت في نصرة ثورة علي بن غذاهم ضد حكم الباي والسياسات الجبائية المجحفة خلال القرن التاسع عشر، كما أبلت بلاء مشهودا في الاحتجاجات المناهضة لسياسة المستعمر الفرنسي منذ انتصاب الحماية عام 1881، لكنها لم تحظ مع ذلك بما يليق بتضحياتها إبان تأسيس دولة الاستقلال.

ومثل الكثير من المناطق الداخلية ظلت الرقاب بعيدة عن أولويات السلطة المركزية التي ركزت اقتصاد البلاد بشكل كبير على ضفاف السواحل المطلة على حوض المتوسط.

موقع استراتيجي لمدينة الرقاب

تنتمي مدينة الرقاب إلى محافظة سيدي بوزيد التي تبعد عن العاصمة بنحو 260 كيلومترا. وتحد سيدي بوزيد من الجنوب محافظة قفصة الغنية بالفوسفات والجريد التونسي المعروف بواحاته الخلابة، فيما تحدها من الجهة الغربية محافظة القصرين الحدودية مع الجزائر. ويعيش في منطقة الرقاب زهاء 60 ألف نسمة، 18 بالمئة منهم في مدينة الرقاب المركز الحضري للمنطقة. ويعتمد سكانها بالأساس على الزراعة وتربية المواشي والتجارة. وتتميز المدينة بموقع جغرافي استراتيجي، إذ تقع في مفترق طرق تتجه شمالا نحو العاصمة تونس عبر القيروان، وجنوبا نحو ليبيا عبر مدينة قابس وغربا نحو الجزائر عبر مدينتي سيدي بوزيد والقصرين، وشرقا نحو صفاقس ومدن الساحل التونسي. ولا تفصل منطقة الرقاب عن سواحل البحر المتوسط سوى مسافة تقدر بـ100 كيلومتر، وهي نفس المسافة التي تفصلها عن مدينة صفاقس الملقبة بعاصمة الجنوب وثاني أكبر مراكز البلاد الاقتصادية. كما تقع الرقاب جنوب مدينة القيروان المعروفة بكونها من أهم مراكز الحضارة الإسلامية في شمال أفريقيا.

وقبل مئة عام لم يكن للمدينة أثر على الأرض بخلاف أطلال رومانية، لكن بضغط من السكان المحليين على السلطات الاستعمارية تحولت في العام 1918 إلى مدينة مركز تحت اسم “الخلافة”، وهي تسمية ترادف “معتمدية” في التقسيم الإداري والترابي الحالي للدولة.

وتعرف المدينة لدى شعرائها بلقب “أرض العطش” بسبب قساوة مناخها وقلة مواردها الفلاحية، لكنها نجحت في أن تنفض الغبار عن نفسها بفضل تبنيها لخطة إصلاح زراعي في عقد الثمانينات من القرن الماضي، لتتحول بذلك الرقاب من القحط إلى الخصب.

وتعتبر الرقاب اليوم واحدة من بين سبع مناطق زراعية تونسية تستقطب برامج الدعم الاقتصادي من مؤسسات دولية وأوروبية، وخصوصا في مجال النهوض بالمشاريع الفلاحية على غرار 15 برنامجا ترعاها وكالة التعاون الألماني “GIZ”، وتشمل فلاحين صغارا ومتوسطين في قطاعات الزراعات البيئية والبيولوجية. وساعد ذلك في ظهور فئة جديدة من المؤسسات الفلاحية الصغرى والمتوسطة وضمنها نسبة مهمة تقودها نساء.

وتحتفي المدينة في مارس من هذا العام بمرور قرن على تأسيسها، وهي تطمح في أن ترسخ صورتها كعاصمة للفلاحة التونسية وأحد أبرز مصدري الخضروات والغلال نحو الأسواق الأوروبية والعالمية.

والأهم من تلك الصورة أن الرقاب وعلى الرغم من ضيق الفرص المتاحة للشباب العاطلين من خريجي الجامعات، فإنها استطاعت إلى حد ما أن تزيل عنها تلك الصورة من الإحباط التي تطبق على أغلب الجهات الداخلية البعيدة عن العاصمة والشريط الساحلي، بسبب قلة الاستثمارات الحكومية وتأخّر برامج التنمية الموعودة منذ أحداث الثورة، وهي على الأرجح تمثل الاستثناء في ذلك.

وفي إفادته لـ”العرب” يرى الكاتب المقيم بألمانيا منصف السليمي، وهو من أحد النخب المنحدرة من الرقاب، أن أبرز خصائص المدينة تتمثل في قدرة أبنائها وخصوصا الشباب، على الموازنة بين المطالب الاجتماعية والسياسية وبين اندماجهم في نسق الإنتاج الزراعي والاقتصاد المحلي.

لكن تظل المشكلة الأساسية، بحسب السليمي، متمثلة في الفجوة بين الطلب لدى الشباب الحاملين لشهادات جامعية وطبيعة سوق العمل المحلي الذي يرتكز على الزراعة والتجارة والتجهيز، كالبناء أو حفر الآبار، وهي قطاعات تتطلب تكوينات محددة أو يدا عاملة تقليدية.

ومع ذلك لم تقف تلك الفجوة حائلا دون نمو مدينة الرقاب وتحولها خلال قرن من التأسيس إلى منطقة جذب للباحثين عن الاستثمار في القطاع الزراعي، وقد ساعد ذلك المدينة في أن اختصت ببنية تحتية وحضرية مختلفة عن باقي المدن في محافظة سيدي بوزيد، وهي تصنف على المستوى الوطني من بين ست مناطق بلدية ناجحة في تونس.

ويختزل هذا التصنيف قصة نجاح لافتة نسبيا لمدينة بعيدة عن المركز وتنتمي جغرافيا إلى إقليم الوسط الغربي الذي ظل محروما على مدى عقود طويلة من التمويل الحكومي العادل.

ويوضح الكاتب محمد العريبي الزريبي، مؤلف كتاب “الرقاب من التحرير إلى التعمير”، في حديثه لـ”العرب” أن الثورة الفلاحية منحت تاريخا جديدا للرقاب قبل ثلاثة عقود لكن المدينة نجحت أيضا في الاعتماد بشكل كامل على مواردها وإمكاناتها، وقد استفادت كثيرا في زيادة نموها الاقتصادي من علاقاتها الوطيدة بمدينة صفاقس، ثاني أكبر المدن التونسية والمدينة الاقتصادية الأولى.

ويتفق الأهالي ووجهاء الرقاب على أن نجاح المدينة في تفادي الفوضى والقلاقل الاجتماعية بعد أحداث الثورة عام 2011، يعود في جزء كبير منه إلى وجود مجتمع مدني متماسك وشريك في الشأن المحلي إلى جانب توافر قاعدة نقابية قوية.

ويعلق السليمي على ذلك مشيرا إلى ارتفاع درجة الوعي لدى الشباب في الرقاب ووجود تواصل جيد بين الأجيال المتعلمة في المنطقة، وهو ما ساعد الرقاب، وفق تعبيره، على أن تشهد تجربة انتقال متوازنة لكنها تجربة مهددة بسبب ضعف الإمكانيات وشدة الارتباط بالمركز وتجاهل هذا الأخير لاهتمامات نخب وشباب المنطقة إضافة إلى عدم وضوح آفاق الحكم المحلي الذي ستفرزه الانتخابات البلدية الأولى في تونس منذ ثورة 2011.

20