الرقة السورية تعود للضرب على الدف والغناء

مركز الثقافة والفنون في مدينة الرقة يخرج الناس من الظلمة إلى نور الموسيقى والمسرح والرسم بعد طرد الجهاديين منها.
الاثنين 2019/05/13
الرقص والغناء يعودان للرقة

قد يحطم تنظيم داعش المنازل والمحلات ويقتل الناس، كما فعل في كل مدينة مر بها، ويسعى إلى أن يطمس المعالم التاريخية والثقافية، لكن الفنون سلاح أقوى من أسلحة المتطرفين، لأنها تسكن العقول والقلوب، فما دام الإنسان يعيش على الأرض فإنه يظل ينجز فنونه التي تحلو بها الحياة، كذا كان دأب السوريين في مدينة الرقة حيث عادوا إلى حياة الفرح مجددا، إذ نجحوا في إعادة افتتاح أول مركز ثقافي وإعادة بعض من الكتب ليجتمعوا مجددا حول ما يحبونه من ثقافة وفنون رغم الفقر.

 الرقة (سوريا) - تملأ الكتب رفوف المكتبة الواسعة وتغطي اللوحات جدران غرفة أخرى، بينما يرقص فتيان وفتيات بثياب تقليدية على نغمات الموسيقى الشعبية في المسرح. مشاهد تتنوع في المركز الثقافي الأول في مدينة الرقة منذ طرد الجهاديين منها.

يتحدث زياد الحمد (64 عاما) بكل فخر عن المركز الذي يرأسه، يجلس بين رفوف الكتب والمجلدات القديمة، ويقول “لم نكن نصدق بأن نعود في يوم من الأيام بعد كل الدمار الذي نكبت به المدينة ليكون لدينا مركز ومكتبة ومسرح وموسيقى”.

وافتتحت مدينة الرقة في أبريل مركزها الثقافي الجديد ليكون بديلا عن أكثر من 20 مركزا آخر كان التنظيم المتطرف دمرها أو أغلقها خلال فترة سيطرته على المدينة التي كانت تشكل معقله الأبرز في سوريا قبل طرده منها في أكتوبر العام 2017.

يقول الحمد، “الرقة كانت دائما عاصمة للثقافة وكنا نملك 21 مركزا في الريف، بالإضافة إلى المركز الأم، لكن للأسف قام داعش ‏بتدمير هذه المراكز بعضها بشكل كامل مثل المركز الأم وخسرنا معظم الكتب، وفي الأرياف كان حجم الدمار حوالي 90 ‏بالمئة في

الأبنية وضاعت الكتب، بعد داعش عانينا أيضا، إذ كنا نقوم باجتماعات للمثقفين على النهر ومعارض على درج ‏المجلس″.

وكان أحد أكبر المراكز الثقافية في الرقة يحوي مكتبة ضخمة تضم أكثر من ستين ألف كتاب، إلا أن  الجهاديين لم يتركوا منه سوى ركام بعد إحراق كافة محتوياته ثم تدميره.

ويقول الحمد الذي غزا الشيب شعره إن “الكتب التي ترونها اليوم أخرجناها من تحت ركام أماكن كثيرة، وبعض الأشخاص احتفظوا بالكتب في المراكز الثقافية في الريف وأخفوها بعيداً عن داعش، وأعادوها إلينا بعد تحرير المدينة”.

الرقص على نغمات الموسيقى
الرقص على نغمات الموسيقى

وللمرة الأولى منذ العام 2014، يستطيع الفنانون عرض رسوماتهم أو منحوتاتهم من دون خوف من الاعتقال والملاحقة، ويستطيع محبو الفن التجول بين المعارض المختلفة في المركز الثقافي، وحضور المسرحيات أو الاستعانة بالمكتبة من دون خشية.

تتجول فوزية الشيخ (30 عاماً) بين غرف المركز خلال مشاركتها في حفل افتتاحه. وتقول “إنه شعور بالسعادة لا يوصف”. وتقول “انتقلنا من الدمار، ولا ثقافة ولا فن إلى مركز سنسمع فيه الموسيقى والشعر (…) إننا ننتقل من الظلام إلى النور”.

اختار مجلس الرقة المدني مبنى متضررا نسبيا وأعاد ترميمه ليكون مقرا لـ”مركز الرقة للثقافة والفنون”.

ويتألف من طابقين، الأول يضم قاعة المسرح وصالة معرض للرسومات والمنحوتات ومكاتب مخصصة لأقسام أخرى، أمام الطابق الثاني فيضم المكتبة الكبيرة برفوفها المليئة بالكتب، وإن كان بعضها لا يزال ينتظر ملأه.

في المسرح، يختلط قرع الطبل وأنغام الربابة مع أصوات رجال يرددون الأغاني التقليدية الآتية من منطقة شرق الفرات، فيما يرقص أمامهم فتيان بعباءات رمادية مع فتيات يتألقنّ بعباءات تقليدية مزركشة باللون الذهبي.

في قاعة المعرض، منحوتة تظهر امرأة ترضع طفلها وأخرى لرجل ينحني أرضاً، فيما تتنوع اللوحات التي تملأ الجدران بين مشاهد طبيعية ملونة لبحر أزرق اللون أو جبل يغطيه الثلج أو آخر أخضر تماماً، وأخرى باللونين الأبيض والأسود لفتاة مبتسمة أو امرأة يتدلى شعرها فوق كتفيها، أو حتى لقدم تمشي.

بعض هذه اللوحات موقعة باسم أمل العطار (37 عاما)، الفنانة التشكيلية التي اختارت العودة إلى الرقة بعد سنوات من اللجوء في لبنان. وتقول العطار، “بالنسبة لنا المركز هو عبارة عن ولادة جديدة في الرقة”.

قد لا تنسى العطار ما عانته خلال فترة سيطرة التنظيم المتطرف على مدينتها، لكنها تبدو واثقة من قدرة المدينة على التعافي.

قبل سنوات، دخل جهاديون إلى مرسم العطار الذي كانت تتشارك فيه مع فنانين آخرين، وأبلغوهم أن ما يقومون به “حرام” ويجب طلب التوبة، فما كان منها سوى أن جمعت أغراضها وغادرت المدينة.

تقول العطار “كان لدي 50 عملا معظمها يتعلق بتراث الرقة (…) وقد أحرقها داعش”.

وكانت الرقة من أكثر المدن السورية اهتماما بالثقافة والفكر، وكان شبابها رغم فقرهم، من المهتمين بالأدب والفنون، وكان أغلب أدباء وشعراء سوريا يحرصون على زيارة الرقة لأنهم يعرفون أن هناك من يسمعهم ويتفاعل معهم.

خطر التنظيم المتطرف لم ينته إذ لا يزال ينشط من خلال خلايا نائمة تنتشر من دير الزور إلى الرقة، فضلاً عن مقاتلين منتشرين في مناطق صحراوية نائية.

اجتمعوا حول ما يحبونه من ثقافة
اجتمعوا حول ما يحبونه من ثقافة

وشنّ التنظيم المتطرف اعتداءات عدة في مدينة الرقة بعد طرده منها، وهي التي لا تزال أثار المعارك العنيفة من دمار وفوضى تطغى عليها برغم عودة عشرات الآلاف من السكان إليها.

ورغم الذكريات السيئة التي طبعها الجهاديون في ذاكرته، ترتسم على وجه المغني الشعبي ملك اليتيم (60 عاما) ابتسامة واسعة وهو يتنقل بين كراسي مسرح مركز الرقة الثقافي الحمراء اللون. ويقول اليتيم إن مقاتلي “داعش كسروا أجهزتي الموسيقية، ومنعوني من الغناء، كنا مثل البلبل في القفص (…) إذا قمنا بأي شيء، إما يقطعوا رؤوسنا وإما يكون الجلد من نصيبنا”.

ويضيف الرجل الذي وضع كوفية بيضاء على رأسه وارتدى عباءة غامقة اللون “الآن اشعر وكأني طير يحلق في السماء، والسماء صافية والجو ربيع″.

خارج القاعة يتحرك المخرج المسرحي محمد صطام تمهيدا لعرضه المسرحي الأول في المركز ويعود بذاكرته لأيام قمع تنظيم ‏داعش لأي نشاط من هذا القبيل. يقول صطام وهو كاتب ومخرج مسرحي، “بدأنا بعرض مسرحي حيث كتبت نصا مسرحيا اسمه ‘ليلة الميلاد والرحيل’ وأنجزنا هذا العرض بفضل أبناء الرقة الذين ‏أرادوا أن تنهض الحالة الثقافية في الرقة بعد أن جثم الإرهاب المتمثل بداعش على المدينة طيلة أكثر من ثلاث سنوات ‏وقتلوا الحياة بكل معانيها، الآن الرقة تنهض وتنهض معها الحالة الفنية والثقافية بشكل عام”.‏

ولم ينجح تنظيم داعش في النهاية من طمس الهوية الثقافية لشعب طالما كان سباقا للفن والثقافة واستطاع من خلال جهود المجالس المدنية أن ‏يعيد الحياة إلى الرقة.

20