الرقة بعد داعش: صراع جديد بين الأكراد والنظام السوري

سيكون على الجماعات الكردية التي قادت المعركة ضد تنظيم الدولة الإسلامية (داعش) في الرقة معقله السابق أن تخوض بحذر عملية سلام معقدة لتفادي التوترات العرقية مع الأغلبية العربية في المدينة ولتأمين مساعدات أميركية ضرورية. في المقابل سيكون على الولايات المتحدة تطوير إستراتيجية شاملة وواضحة لتصحيح أخطاء أدت إلى تغوّل تنظيم داعش واستقواء روسيا.
الخميس 2017/10/19
استراحة بين الشوطين

الرقة (سوريا) – بينما تشارف الحرب على تنظيم الدولة الإسلامية في العراق على نهايتها، تحقق نظيرتها في سوريا تقدما مماثلا توّج خلال اليومين السابقين باستعادة مدينة الرقة.

في خضم ذلك انتقلت أضواء الاهتمام في العراق نحو الأكراد وخلافاتهم مع الحكومة المركزية. وبدورهم سينتقل أكراد سوريا بعد الحرب على داعش إلى مرحلة ترسيخ الوجود. ومثلما تعدّ كركوك نقطة فاصلة في الصراع بين بغداد وأربيل تلوح في الأفق السوري ملامح صراع جديد محرّكه الرئيسي مدينة الرقة.

وسط هذه التطورات، تبحث الولايات المتحدة الأميركية عن استعادة دورها كمحرّك لدفة الأوضاع في المنطقة، لكن وباستثناء الحرب على تنظيم داعش التي تشارف على الانتهاء، ما تزال إستراتجيتها مرتبكة ومتأثرة بالأوضاع الفوضوية داخل الإدارة الأميركية.

وستكون مواقف واشنطن محل اختبار في الفترة القادمة وفي مواجهة ثلاثة ملفات رئيسية: الدور الإيراني في العراق وسوريا والقوة الروسية في سوريا وملف الأكراد الذين ما كانوا ليحققوا كل ذلك النجاح والتوسع الجغرافي لولا الدعم الأميركي في إطار الحرب ضد تنظيم داعش.

يبدو الوضع في العراق أكثر تعقيدا بالنسبة إلى الأميركيين، لذلك ربما تكون هزيمة تنظيم داعش في الرقة هي البداية لجهود أميركية أكبر لاحتواء أيّ عمليات مسلحة للتنظيم المتشدد وتحقيق الاستقرار بالمنطقة في وقت تسعى فيه واشنطن جاهدة لوضع إستراتيجية شاملة من أجل سوريا، ومن أجل مقارعة روسيا التي حققت كل ما تريده في سوريا.

قوات سوريا الديمقراطية تواجه مشاكل في المستقبل في الرقة والمناطق الأخرى التي يغلب العرب على سكانها في سوريا

وأعلنت فصائل مسلحة تدعمها الولايات المتحدة النصر على تنظيم داعش في الرقة. ورفعت الرايات على آخر معاقل التنظيم بعد معركة دامت أربعة أشهر. وكان داعش قد اجتاح الرقة في يناير 2014 وانتزع السيطرة عليها من المعارضة المسلحة المناهضة لحكم الرئيس السوري بشار الأسد.

وقال بلال صعب، الباحث في معهد الشرق الأوسط، إن استعادة السيطرة على الرقة لها أهمية رمزية لكن الأمر يتعلق بانتصار باهظ الثمن، فمعالجة المشكلات الاقتصادية والسياسية للسنّة ستكون على نفس درجة أهمية المعركة العسكرية حتى لا تظهر "دولة إسلامية" أخرى.

وقال محللون متخصصون في شؤون الشرق الأوسط إن من بين المشكلات الكثيرة التي تجلت بعد طرد تنظيم داعش من الرقة مشكلة توفير الأموال للمساعدة في إعادة بناء المدينة المدمرة وكيفية دعم الحكومة المحلية الوليدة في مواجهة تمرد محتمل وكيفية منع الأسد المدعوم من إيران وروسيا من محاولة استعادة السيطرة عليها.

ويريد النظام السوري أن يستعيد السيطرة على المدينة المطلة على نهر الفرات مما يعني أن الرقة قد تصبح ساحة لصراع جديد مع دمشق أو ورقة مساومة في مفاوضات لاحقة بشأن احتمال الحكم الذاتي للأكراد.

الاختبار الحقيقي

تواجه قوات سوريا الديمقراطية، التي يهيمن عليها الأكراد، عبئا ثقيلا لإعادة بناء المدينة التي حولتها المعارك المستعرة والضربات الجوية الكثيفة من التحالف الذي تقوده الولايات المتحدة إلى أنقاض. ولا يقلّ التحدي السياسي صعوبة في مدينة تقع خارج نطاق المناطق التي يهيمن عليها الأكراد في شمال سوريا.

ويقول محللون إنه في ظل درايتها بالحساسيات العرقية والقبلية في الرقة فإن قوات سوريا الديمقراطية تعمل جاهدة لوضع العرب في قلب الخطط للحكم المحلي والقيام بمهام الشرطة في حقبة ما بعد داعش. وعلى المدى القصير فإن على مجلس الرقة المدني الذي تشكل تحت رعاية قوات سوريا الديمقراطية أن يسارع بتوفير الأمن وإصلاح البنية التحتية وتقديم المساعدات لنيل تأييد السكان الذين استنزفهم الصراع وللسماح بعودة سكان الرقة إلى منازلهم.

مستقبل الرقة في أيدي سكانها

لم تكن الرقة هدفا لوحدات حماية الشعب في مرحلة مبكرة من الحرب لكنها أصبحت كذلك بشكل تدريجي مع ظهور الفصيل الكردي كشريك سوري أساسي للتحالف الذي تقوده الولايات المتحدة. ويقول التحالف بقيادة واشنطن إن المقاتلين العرب الذين يحاربون تحت لواء قوات سوريا الديمقراطية شكّلوا غالبية القوات في حملة الرقة. لكن بدا أن القادة والمقاتلين الأكراد من وحدات حماية الشعب المنظمة بشكل جيّد هم القوة الرائدة على مدى الحملة التي استمرت أربعة أشهر.

وربما يأمل حزب الاتحاد الديمقراطي، الحزب الكردي الرئيسي في سوريا، وحلفاؤه في أن تنضم الرقة في نهاية المطاف لنظام "اتحادي" جديد من مناطق خاضعة لحكم ذاتي يعكف الأكراد على إقامته في الشمال.

لكن قادة الأكراد يقولون إنه من السابق لأوانه مناقشة ذلك الآن، مشيرين إلى الحساسيات المحلية والدولية المحيطة بالمشروع السياسي الذي تعارضه حليفتهم واشنطن وجارتهم تركيا. ورغم أن أكراد سوريا يقولون إنهم يريدون البقاء جزءا من سوريا فإن المخاوف في المنطقة من النزعة الانفصالية لدى الأكراد تفاقمت منذ أن صوّت أكراد العراق لصالح الاستقلال ممّا أدّى لتحرك عسكري من العراق وإجراءات صارمة من تركيا وإيران.

وتعتبر تركيا على وجه التحديد تنامي النفوذ الكردي السوري على حدودها تهديدا لأمنها وضغطت على واشنطن لتتخلّى عن تحالفها مع وحدات حماية الشعب الكردية قبل هجوم الرقة لكن مساعي أنقرة باءت بالفشل.

وتستضيف تركيا مجلسا مدنيا منافسا للرقة يعتبر وحدات حماية الشعب قوة احتلال أجنبية. ويقول ساسة أكراد إن مستقبل الرقة في أيدي سكانها. وتؤكد فوزة يوسف، وهي سياسية كردية بارزة، إنه حتى الآن لا يوجد رد فعل يشير إلى عدم القبول بقوات سوريا الديمقراطية أو مجلس الرقة المدني. وأضافت أن قوات الأمن الداخلية ومجلس الرقة المدني هما من سيبقى في الرقة مشيرة إلى أن كل أفراد الأمن الذين يجري إعدادهم هم متطوعون من الرقة.

وبمجرد السيطرة على الرقّة، انسحب بعض مقاتلي وحدات حماية الشعب سريعا من المدينة وسلّموا مواقعهم لعناصر غير كردية من قوات سوريا الديمقراطية. وطبقت قوات سوريا الديمقراطية نموذجا مشابها في مدينة منبج بشمال البلاد العام الماضي بعد أن انتزعتها من تنظيم داعش.

وقال نواه بونسي، كبير المحللين بمجموعة إدارة الأزمات الدولية، إن مجلس الرقة المدني "لا يزال مرتبطا بشكل وثيق بهياكل السلطة في وحدات حماية الشعب وحزب الاتحاد الديمقراطي لكنهم بذلوا مزيدا من الوقت والجهد في التشديد على عدم الإقصاء أكثر مما شهدناه في بعض المناطق الأخرى". لكن خطر الاضطرابات سيظهر إذا بدا أن الجماعات الكردية تتحكم في إدارة المدينة.

وأضاف "هناك أيضا خطر التدخل الخفي من الخارج. الخلايا النائمة للدولة الإسلامية والنظام السوري قد تكون لهما مصلحة في استخدام شبكات الموالين لزعزعة استقرار الأوضاع. كل هذه المعطيات قد تؤجج التوتر العرقي".

معالجة المشكلات الاقتصادية والسياسية للسنّة ستكون على نفس درجة أهمية المعركة العسكرية حتى لا تظهر "دولة إسلامية" أخرى

استراتيجية أميركية ضعيفة

نشرت الولايات المتحدة فريقا من الدبلوماسيين في سوريا للعمل على المساعي الإنسانية وإرساء الاستقرار. وعلق على ذلك بريت مكجورك، المبعوث الأميركي للتحالف المناهض لداعش، بقوله "هذا لضمان أنه بعد طرد داعش ستكون لدينا الأجواء الملائمة لعودة الناس إلى منازلهم".

لكنّ مسؤولا أميركيا مشاركا في عملية التخطيط لمرحلة ما بعد الرقة أكد أن الدعم لا يمكن أن يوجه نحو "مشروع سياسي لحزب الاتحاد الديمقراطي للتوسع في تلك المنطقة من البلاد" وإن الولايات المتحدة لن تدعم "مشروع حزب الاتحاد الديمقراطي لإقامة إدارة تتمتع بالحكم الذاتي".

وذكر المسؤول الأميركي على سبيل المثال أن المدارس لن تحصل على المساعدات إلا إذا كانت تدرس شكلا من أشكال منهج الدولة السورية وليس منهجا جديداً بالكامل. وقال "لن ندعم كيانا انفصاليا.. هذا أمر محسوم"

وقال نيك هيراس، الباحث في مركز الأمن الأميركي الجديد "التحدي الأكبر بالنسبة إلى الرقة والشركاء السوريين المحليين الذين يحاولون إعادة بناء الرقة هو الغموض في سياسة إدارة ترامب بشأن سوريا".

وأضاف "يتعين إرسال إشارة بأن الولايات المتحدة تنوي الاحتفاظ بقوة في المناطق التي استعادتها من داعش من أجل الإشراف على مهمة تحقيق الاستقرار وأن يكون لها هدف أوسع غير معلن يتمثل في تقييد قدرة إيران على إعادة السيطرة على كل أنحاء البلاد باسم الأسد".

وقال عدة محللين إن الولايات المتحدة ليست لديها على ما يبدو إستراتيجية واضحة لإعادة الاستقرار إلى المنطقة ناهيك عن إحياء المحادثات التي ترعاها الأمم المتحدة في جنيف بهدف إنهاء الحرب.

وقال السناتور الجمهوري بن ساس "سيطرنا على مدن من قبل وفقدناها. هذا الانتصار يؤكد على الحاجة إلى إستراتيجية شاملة لسوريا".

وأشار بلال صعب إلى أن النفوذ الأميركي في سوريا ربما يكون أضعف من أن يسهم في تشكيل الأحداث. وقال "مشاركتنا كانت وستظل دائما محدودة إلى حد كبير. تركنا الساحة لروسيا والإيرانيين وربما فات أوان انخراطنا بفعالية".

وفي نظر الدبلوماسيين الأميركيين دينيس روس وجيمس جيفري، بدأ الوقت ينفد بالنسبة إلى الولايات المتحدة، وإذا لم تضع إستراتيجية، فإن الأحداث هي التي ستقود السياسة.

ويقول الخبيران في تحليل نشره معهد واشنطن لدراسات الشرق الأدنى إن النزاعين في بلاد الشام، الحرب في سوريا والحملة ضد تنظيم داعش، على وشك الانتهاء. وأصبح من الواضح الآن في النزاع الأول أن الرئيس السوري بشار الأسد، بفضل روسيا وإيران، سيبقى مسيطرا على معظم أنحاء سوريا وليس كلها.

وفي النزاع الثاني، سيختفي بشكل متزايد الحاجز المؤقت الذي كان يفصل جهود إيران وسوريا من الجهود التي تقودها الولايات المتحدة ضد داعش. وسرعان ما ستقف واشنطن والحلفاء المحليون في جميع أنحاء سوريا والعراق إلى جانب المتشددين التابعين لإيران، كما هم الآن في جنوب سوريا، وفي منبج في الشمال، وبالقرب من الموصل. لكن، لن يكون هناك داعش لتبرير هذا الوجود، ويجب على الولايات المتحدة أن تنسحب أو تستخدم موطئ قدمها لمقاومة برنامج إيران لتحويل سوريا والعراق إلى دول تابعة.

6