الرقة في ظل حكم "الدولة الإسلامية".. من دوار النعيم إلى دوار الجحيم

السبت 2015/06/20
عاصمة الرشيد تقدم نموذجا عن حكم "الخلافة الإسلامية" الداعشية

بيروت- في شمال شرق سوريا، وعلى الضفة الشمالية لنهر الفرات تقع مدينة الرقة، عاصمة الخليفة العباسي هارون الرشيد وأول المدن السورية المحرّرة من سطوة نظام الأسد. لكن لم يفرح السوريون كثيرا بالتحرر من سطوة النظام، إذ سرعان ما استبدل الأهالي اسم “دوّار النعيم” الواقع في وسط المدينة، بـ”دوار الجحيم” بسبب العدد الهائل من الإعدامات التي نفذها تنظيم الدولة الإسلامية في حقهم منذ إعلانه “الخلافة” قبل سنة.

وقد جالت صور هذا الدوار العالم، في كل مرة علقت فيها رؤوس بشرية على السياج الحديدي المسنن المحيط بالدوار الترابي، أو صلب عليه شبان على مدى أيام.

ويروي أبو إبراهيم الرقاوي، وهو ناشط بارز مقيم سرا في المدينة، “منذ اللحظة الأولى لسيطرته على الرقة، اعتمد تنظيم الدولة الإسلامية سياسة التخويف والترهيب، بعد لجوئه إلى الإعدامات وقطع الرؤوس والأيدي والأرجل والصلب”.

وسيطر تنظيم الدولة الإسلامية على مدينة الرقة في يناير 2014 بعد معارك عنيفة مع مقاتلي المعارضة الذين كانوا استولوا عليها من النظام في مارس 2013. واستكمل التنظيم الجهادي السيطرة على المحافظة في صيف العام نفسه بعد حوالي شهرين من إعلان “الخلافة الإسلامية”.

ويقول الرقاوي (اسم مستعار) إن عناصر التنظيم “خطفوا الناشطين، ولاحقوا كل من يحمل آلة تصوير… وفرضوا النقاب على النساء ومنعوا ارتداء السراويل والأحذية الملونة”.

ويعد الرقاوي من أبرز مؤسسي حملة “الرقة تذبح بصمت” التي توثق عبر الإنترنت كل انتهاكات تنظيم الدولة الإسلامية في الرقة التي باتت محظورة على الصحفيين بعد عمليات الخطف والذبح التي طالت عددا منهم.

ويغذي التنظيم الشعور بالرعب من خلال نشر صور وأفلام مروعة مثل مشاهد حرق الطيار الأردني معاذ الكساسبة حيا وجثث العشرات من الجنود السوريين شبه العراة الذين أسروا في مطار الطبقة العسكري في محافظة الرقة.

ويقتل التنظيم شنقا أو صلبا، بإطلاق الرصاص أو بالرجم أو قطع الرأس، بتهم تتراوح بين “التعاون مع النظام النصيري” و”التحريض على قتال الدولة الإسلامية”، والشعوذة والسرقة والكفر والتجسس، بالإضافة إلى ممارسة الزنى و”الفعل المنافي للحشمة مع ذكور”.

وبحسب المرصد السوري لحقوق الإنسان، أعدم التنظيم 2618 شخصا في سوريا خلال الفترة الممتدة من إعلان “الخلافة” في 28 يونيو 2014 حتى 28 مايو 2015. وهناك أحكام أخرى تتراوح بين الجلد والغرامة والسجن.

هشام الهاشمي: الرقة اليوم نموذج حي عن أرض التمكين على غرار مدينة نينوى العراقية
فالمرأة التي لا يخفي نقابها كل تفاصيل وجهها وجسدها، تجلد أربعين جلدة. وقد تطال العقوبة من يرافقها. أما من تظهر عيناها من خلال النقاب، فتدفع غرامة من الذهب. ويتوجب على كل رجل يضبط وقد حلق ذقنه أن يدفع غرامة بقيمة مئة دولار.

في المقابل، تفيد التقارير النادرة من الرقة أن من يلتزم بقوانين “الدولة الإسلامية” يعيش بشكل طبيعي ويستفيد من خدماتها. ويقول الرقاوي، وهو شاب عشريني وطالب سابق في كلية الطب، “إذا تقيدت بقوانين داعش ومشيت وجهك إلى الأرض، فلن يتعرض لك أحد”.

ويرى الكاتب العراقي والباحث في شؤون الجماعات الإسلامية هشام الهاشمي إن الحكم في الرقة هو “دون الدولة المعلنة لكنه فوق التنظيم”، مشيرا إلى أنه “يشبه طريقة عمل الحكومات لناحية تنظيم الأمن والخدمات والقضاء والتعليم”.

ويقول “يمكن القول إن الرقة اليوم نموذج حي عن أرض التمكين”، وهي التسمية التي يطلقها التنظيم على الأراضي التي يسيطر عليها بالكامل كما الرقة ومدينة نينوى العراقية، وهي “عمليا أرض الأحكام الشرعية والمؤسسات”.

وتظهر أشرطة فيديو أنتجها التنظيم شوارع تعج بالسيارات في مدينة الرقة ومحال تجارية مليئة بالزبائن. وبموجب قوانين “الدولة الإسلامية”، يصرّح سكان الرقة عن ممتلكاتهم ويدفعون الزكاة، وتلزم المؤسسات والمحال التجارية بالإقفال خلال أوقات الصلاة. وأخضع التنظيم الأطباء والصيادلة والمدرسين والمهندسين وسائقي سيارات الأجرة لـ”دورات شرعية”. وأقفل التنظيم المدارس والجامعات لعام كامل ووضع مناهج دراسية جديدة أبقى فيها على الرياضيات واللغة الإنكليزية، وأضاف تدريس الفقه والجهاد والقرآن.

وافتتح مؤخّرا كلية للطب في الرقة بعد وضع منهاج دراسي من ثلاث سنوات فقط. ويبرّر مسؤول “ديوان الصحة” أبو عبدالرحمن الشامي ذلك بالقول في شريط فيديو “درست الطب في ست سنوات، قرأت 26 مادة لا علاقة لها بالطب (…)، رياضيات وإحصاء وفيزياء”. وأقام التنظيم في الرقة محكمة شرعية وشرطة يخول لها حفظ الأمن. ويسهر “رجال الحسبة” على تطبيق الشريعة، بينما تتولى “كتيبة الخنساء” تفتيش النساء.

وفي “أرض الخلافة”، يحظى “المهاجرون” أو المقاتلون الأجانب القادمون من خارج سوريا بمعاملة مميزة. ويقول الهاشمي إن مؤسسات التنظيم “تعطي أفضلية للمقاتل الأجنبي، (…) أما عامة الناس فتعتبرهم درجة ثانية أو ثالثة”.

وفي أحد الأشرطة المصورة الدعائية للتنظيم، يقول رجل حليق الذقن يقدم نفسه على أنه الطبيب أبو يوسف الأسترالي، “الحمد لله، هاجرت من أستراليا إلى دولة الإسلام للعيش في ظل الخلافة”، مضيفا باللغة الإنكليزية “الوضع هنا ارتقى إلى توقعاتي تماما”.

7