الرقة والموصل: نجاح عسكري بعيد عن النصر

السبت 2017/03/11

تتزايد مشاركة القوات الأميركية في التحضير لمعركة الرقة في سوريا بوصول نحو 500 جندي من المارينز إلى محيط المدينة. قبل ذلك، انتشرت قوة أميركية على شريط فاصل بين قوات درع الفرات المدعومة من تركيا، وقوات كردية في مدينة منبج لمنع وقوع قتال بين الجانبين يشوش على خطط السيطرة على مدينة الرقة.

على أن إرسال 500 جندي إلى موقع يبعد 25 كيلومترا فقط عن معقل تنظيم الدولة الإسلامية في سوريا يعتبر المؤشر الأهم على حماس أميركي متنام. يعتبر ذلك أكبر إضافة للقوات الأميركية الموجودة في سوريا، والتي كان يقدر تعدادها بنحو 200 جندي وصلوا بشكل متقطع على مدار العام الماضي. وستحظى القوات الأميركية الحالية بتعزيزات مكونة من مروحيات قتالية وبطاريات صواريخ لتعزيز الحملة العسكرية.

يشبه ما يحصل حول مدينة الرقة ما حصل خلال الأشهر الماضية حول مدينة الموصل العراقية التي تشهد اندحار تنظيم الدولة الإسلامية. تمركزت القوات الأميركية حول المدينة وأمنت الدعم الجوي والمدفعي، فضلا عن المشورة العسكرية. يشير أيضا إلى رغبة كبيرة تتملك الرئيس الأميركي دونالد ترامب في تحقيق نصر سريع ومزدوج في معقلي الدولة الإسلامية في سوريا والعراق.

ويعتبر تحقيق مثل ذلك النصر أحد أعمدة وعود ترامب الانتخابية، وذلك بعد أن صنف تنظيم داعش باعتباره الخطر الأكبر الذي يتهدد الولايات المتحدة. الحقيقة أنه أكثر الوعود الانتخابية إمكانية للتحقيق. إذ اصطدمت بقية الوعود، كإلغاء “أوباما كير”، وترحيل الملايين من المهاجرين غير الشرعيين وبناء جدار على الحدود مع المكسيك، بتعقيدات السياسة الداخلية الأميركية التي تتداخل فيها سلطات الرئيس مع صلاحيات الكونغرس مع قوة القضاء.

يسعى ترامب إذن إلى تحويل هزيمة الدولة الإسلامية إلى محطة للإشادة بإستراتيجيته لمحاربة الإرهاب، ولينفذ وعده بالقضاء على تنظيم الدولة الإسلامية ماديا وأيديولوجيا. ولكن الواقع أكثر تعقيدا من أمنيات الرئيس الجديد.

تكمن المشكلة في هذا النوع من الانتصارات العسكرية في أنها حدثت مرارا خلال العقدين الماضيين من دون أن تفضي إلى القضاء على المنظمات الجهادية. في كل مرة، كانت الولايات المتحدة توجه ضربة ساحقة لفرع من تنظيم القاعدة في مكان ما، ليظهر تنظيم آخر أكثر قوة ومرونة بعد وقت قصير في مكان آخر.

منذ مطلع التسعينات من القرن الماضي وحتى العام 2000، اقتصرت الإستراتيجية الأميركية على توجيه ضربات لقادة التنظيم كرد فعل على قيامه بعمليات تفجير. كانت إستراتيجية احتواء. لكن تلك الإستراتيجية تحولت إلى ما أسماه جورج بوش الابن في العام 2001 “الحرب على الإرهاب”. كان أول عمل عسكري كبير وشامل للولايات المتحدة ضد التنظيمات الجهادية في أفغانستان، عبارة عن عرض قوة جبارة تمكنت في وقت قصير من إنهاء هيمنة القاعدة وحركة طالبان على أفغانستان، وتحقق ما بدا أنه نصر تام.

لكنه لم يكن نصرا. إذ لم يتم القضاء على التنظيمات المهزومة، بل تحولت إلى شكل عمل آخر أصبح مصدرا لصداع أشد في رأس الولايات المتحدة. تحولت طالبان إلى حرب العصابات في الجبال الوعرة لتهاجم الحكومة الضعيفة المدعومة أميركيا. ومع مرور الوقت كانت شرعية الحكومة وقوتها تتآكل، فيما حشدت طالبان قوة أكبر من حولها. تسبب ذلك في تعطيل وعود باراك أوباما برحيل كل القوات الأميركية عن أفغانستان خلال ولايته الأولى. وانتهت ولايته الثانية بزيادة في عدد القوات الأميركية عما كانت عليه في مطلعها.

لم ينه الغزو الأميركي لبلد ضعيف وهش مثل أفغانستان تنظيم القاعدة. وكان انسحاب القوات الأميركية يهدد بتكرار قصة رحيل الاتحاد السوفييتي في مطلع التسعينات، حيث اندلعت حرب أهلية كانت فيها الحكومة الأفغانية الطرف الأضعف.

الهزيمة التي تعرضت لها القاعدة في أفغانستان شكلت مرحلة هامة في نشوء القاعدة في العراق. التنظيم الجديد بدا أكثر تنظيما وتطورا، إذ سيطر على أحياء شعبية في العراق وواجه القوات الأميركية في حرب شوارع اعتبرت أسوء كوابيس إدارة جورج بوش.

كذلك انتشرت القاعدة في اليمن وصارت مهمة الجيش الأميركية هنالك تسيير طائرات من دون طيار لاصطياد مقاتلي وزعماء التنظيم. حققت تلك الطائرات، بالإضافة إلى العمل الاستخباراتي المكثف، نجاحات مقبولة في اغتيال قيادات وإحباط عمليات إرهابية. ولكنها بقيت بعيدة عن إنهاء وجود التنظيم، فضلا عن الأيديولوجيا الخاصة به.

وأخيرا، ساهمت هزيمة التنظيم في العراق في العام 2005 في توطيد حكم إيران ونوري المالكي الذي شكل أفضل بيئة اضطهاد وتحريض طائفي لنمو أقوى تنظيم جهادي إرهابي في التاريخ، تنظيم الدولة الإسلامية.

اليوم، مع الهزيمة المتسارعة لتنظيم داعش في العراق وسوريا، يبدو الماضي وكأنه يحذرنا مما يمكن أن يسفر عنه المستقبل. سوف تحظى إدارة دونالد ترامب بالإشادة لهزيمة داعش في الموصل والرقة، ولكن النصر يبدو بعيد المنال. قد تجد نفسها متورطة في عمليات عسكرية جديدة بعد فترة قصيرة في ليبيا وأفغانسان وبنغلادش والصومال واليمن. هذه هي قصة أفغانستان والعراق: نجاح العمل العسكري، ومهما بدا رائعا، لكنه ليس نصرا.

كاتب فلسطيني سوري

8