الرقصات الشعبية في نجران رسائل فرح وسلام على إيقاعات مضبوطة

يعتبر الرقص الشعبي من أهم سمات المجتمع النجراني في السعودية، إذ أن الرقص الشعبي داخل نجران يعتبر أكثف ألوان الفنون الشعبية التي تمتزج دائما بوجدان النجرانيين في احتفالاتهم وحياتهم، وهم أشدّ الناس حبا لهذا الفن التعبيري حتى أنهم ينظمون رقصاتهم في الطرقات وفي أوقات الراحة والعمل والاحتفالات. وللناس في نجران باع طويل في الرقص بأنواعه، حتى أنه من الطبيعي أن نجد مجموعة من الأطفال يتشابكون بأيديهم أمام أحد البيوت أو تحت شجرة نخيل بمهارة شديدة تجلب الأنظار.
الأربعاء 2018/01/03
للجسد لغته وتعبيراته العميقة

أبها (السعودية) - تنقسم المملكة العربية السعودية إلى عدة مناطق، تختلف أساليب الفنون والرقصات الشعبية فيها كما تختلف بعض العادات والتقاليد، ومن أبرز المناطق التي تهتم بالرقص، هي نجران حيث تمتزج الحركات بوجدان النجراني في الأعياد ومناسبات الأفراح، وقديما كانت الرقص يحضر في الصلح بين القبائل باعتباره طقسا شعبيا يتشرف به الضيوف عند زيارة قبيلة أخرى، أما اليوم فقد اختصت به فرق محترفة تتكون من مجموعة من الشباب تقدم الحفلات التي تؤدي خلالها الرقصات التقليدية بروح شبابية.

وتؤدّى هذه الألوان الشعبية من الرقص في مناسبات عديدة، ومن أبرزها الزامل، والرزفة، والمرافع، أو لعبة الطبول، حيث يعد الزامل أهم الفنون الشعبية التي تؤدى في جميع مناسبات أهالي نجران.

ولا يقتصر تقديم رقص الزامل عند أهالي نجران على الأفراح، بل يشمل كذلك مناسبات التوسط في حل الخلافات التي تنشأ بين القبائل أو الأفراد وما شابهها، حيث يُؤدّى هذا اللون دون استخدام الإيقاعات.

وتقوم طريقته على أساس اصطفاف مجموعة من الرجال صفوفا بالتتابع خلف بعضها وتتنقل كلها في اتجاه واحد ويمسك فيها كل واحد بأيدي أخويه المجاورين له، يردّدون بيتين من الشعر فقط.

زامل الحزن أو زامل النفس يردده شخص واحد عندما يكون في خلوة مع نفسه للتعبير عن موقف مؤثر

وتنقسم المجموعة إلى قسمين متساويين وكل قسم منهم يقول بيتا شعريا ثابتا حتى الوصول إلى نقطة النهاية، عندئذ يبدأون بالسلام على ضيوفهم أو مستقبليهم، ومن ثم يتقدم أكبرهم سنا وعادة ما يكون شيخ القبيلة، فيشرح للمعنيين بهذا الزامل الغرض.

وقد تتنوع أهداف رقص الزامل، فالبعض يكون الهدف منه ترحيبيا، والبعض الآخر المساعدة في زواج، والبعض الآخر حول الدية، وهي أن تتحمل القبيلة أعباء مالية لا تقدر على دفعها بمفردها، فتأتي كل قبيلة إليها في لون من ألوان الزامل، وفي صورة من صور التكافل الاجتماعي لتساعدها في حمل بعض الأعباء المالية عنها.

وعادة ما تحمل أبيات الزامل في معناها الترحيب والاستعداد لتحقيق مطلب المجموعة المقبلة عندما تتعلق المناسبة بحل خلاف، في حين يكتفي في هذا الشأن بالترحيب من المجموعة المستقبلة دون الردّ على أبيات الشعر التي رددها الحاضرون، وتكمن أهمية هذا اللون في كونه يعدّ مقدّمة لأي مناسبة أيا كان نوعها.

ومن موضوعات الزامل قديما، زامل الحرب، إلا أن هذا اللون لم يعد يقدم في الفترة الراهنة، ومن بين الأنواع الأخرى ما يعرف بمسمى زامل الحزن أو زامل النفس، ويردده شخص واحد عندما يكون في خلوة مع نفسه، ويكون للتعبير عن موقف مؤثر، يتذكر فيه عزيزا فقده، أو يشتكي من بعض همومه ومعاناته في الحياة.

وأبيات قصيدة الزامل يستطيع كتابتها أي شاعر حينما يجيد اللحن المراد بناء القصيدة عليه، وتختلف ألحان الزامل بحسب عدد الأشخاص وقوة الصوت وطول النفس، فهناك ألحان سهلة وبسيطة بإمكان الجميع المشاركة فيها، وهناك العكس.

ويتميز الزامل بأنه من بين الألوان التراثية التي تحظى بمكانة جماهيرية كبيرة في منطقة نجران، وهو من الفنون التي تتصدر الألوان الشعبية التي تقدمها الفرق الشعبية في المهرجانات التراثية والسياحية في نجران.

لعبة الطبول خفة ومرونة

أما رقصة الرزفة، فتعتبر من أهم الرقصات الشعبية أيضا وأكثرها شيوعا، إذ يمارسها النجرانيون في احتفالات الزواج والأعياد وغيرها، وهي من الرقصات التي لا يستخدم فيها الطبل على الرغم من انتشارها، ولكنها تعتمد على إيقاع دقات جماعية عنيفة من أجل الراقصين، حيث يتحد جميع الراقصين في الاتجاه والنسق، كما تعتمد على دقات متتابعة من القدمين، يبعثها أحد بقدميه بقوة ويرد عليها آخر بقدميه كذلك بهدوء، وترتبط إيقاعات الأقدام بحركة الجسم لكل راقص بالإضافة إلى تناسقها مع لحن الأغنية التي يرددونها جماعيا.

والمعروف عن رقصة الرزفة أنها عبارة عن صفين من الراقصين يكثر أو يقل عددهم فيها على حسب العدد الموجود من الراقصين، ويمسك كل راقص في هذين الصفين جاريه من الجانبين بلف ذراعيه مع ذراعيهما وتكون الأكتاف ملتصقة ببعضها، ويقوم الصف الأول بإلقاء الأغنية الشعبية بصوت عال ثم يرددها الصف الثاني بصوت هادئ وهكذا يتواصل أداؤها مقطعا بمقطع، وتردد الأغنية التي تبدأ بإيقاعات الأقدام؛ فيتحرك النصف السفلي من الجسم مع ثبات النصف العلوي، وبعد تكرار عدة مقاطع من الأغنية يتقدم أحد الصفين إلى الأمام بدقات منتظمة من الأرجل حتى يقترب من الصف الثاني ثم يعود إلى الخلف على نفس الإيقاعات والدقات.

ومن أهم سمات هذه الرقصة الرقص بالخناجر والسيوف، ويطلق أهل نجران عليها رقصة “السعب”، وهي الحالة التي تقترن بجزء من رقصة الرزفة أي لوحة راقصة من “التابلوه” العام للرقصة، كما تعرف رقصة الرزفة أيضا بالأغاني الشعبية التي يرددها الراقصون، وتدور معظم هذه الأغاني حول الصفات الحميدة كالكرم والشجاعة والحنين إلى الأهل والديار.

ومن الفنون الشعبية في منطقة نجران، “فن المرافع”، أو لعبة الطبول، وهي من أشهر الرقصات النجرانية وأبدعها ، إذ أنها الرقصة الوحيدة التي تدخل فيه كل الفنون الصوتية والحركية، وتتحدد الرقصة في شكل “تبلوه” راقص هو عبارة عن صفين من الراقصين أحدهما تحمل فيه الدفوف والآخر تحمل فيه المرافع وبين الصفين اثنان أو أربعة من الراقصين، أما حركات الراقصين داخل الصفين، فتتميز بالخفة الشديدة والمرونة اللولبية، حتى أن الراقص يؤدي حركات تشبه الأداء في رياضة الجمباز دون أن يدري، ولكنها أسرع وأشدّ عنفا، ويقوم بقفزات في الهواء يصحبها دوران وانثناءات فيها من المهارة والتعبير الشيء الكثير.

20