الرقصة الأسبانية في نموذج التعددية الحزبية الجزائرية

الجمعة 2014/05/23

هل يمكن اعتبار النموذج الحالي لما يسمى بالتعددية الحزبية في الجزائر مقدمة للانتقال إلى الديمقراطية السياسية، أم أنه ليس سوى مجرد لعبة مقنَعة بآلاف الأقنعة يرمي مهندسوها وعرَابوها في داخل جهاز النظام العسكري والأمني الحاكم الفعلي إلى جعلها وسيلة لفرض هيمنتهم وسيطرتهم من جهة، ومن جهة أخرى قصد تشظية بذور أشكال المعارضة حتى المحتشمة منها، والتي تظهر إلى السطح مثل زبد البحر من حين إلى آخر، وذلك لتحويلها إلى “كانتونات” مجهرية يسهل بعدئذ احتواؤها أو تمزيقها إلى “طوائف” متصارعة في ما بينها بالدرجة الأولى؟

ففي الواقع فإن المجتمع الجزائري منذ 1962 يفتقد تقاليد الثقافة السياسية ذات الطابع التعددي، وإلى مؤسسات المجتمع المدني المستقلة عن أجهزة الحكم ماديا ومعنويا استقلالا حقيقيا بما في ذلك المنابر الإعلامية والتنظيمات والروابط والجمعيات الثقافية والمهنية والخيرية.

فالبارز للعيان هو سيطرة الجهاز الحاكم على مفاصل الدولة وفي مقدمتها الاقتصاد والمؤسسات التشريعية الكبرى مثل البرلمان ومجلس الأمة وكذلك مؤسسات القضاء والتعليم والشباب والتجارة الخارجية إلخ.

من المعروف أن الجزائر منذ استقلالها عن الاستعمار الفرنسي على مدى 52 سنة كاملة وهي تتلمس الطريق بكثير من التعثر والتشنج في ظل غياب نظرية علمية مؤسسة على التخطيط الهندسي للتنمية بكل أنواعها. أدى هذا الغياب والتغييب للأمل في بلورة مشروع التنمية الذي علّق، ولا يزال يعلّق، على مشجب الصدفة والارتجال إلى جعل واقع المجتمع الجزائري أشبه بالرقصة الأسبانية التي من خصائصها مدَ خطوة إلى الأمام وخطوتين إلى الوراء. وجرّاء ذلك ظلت عملية البحث عن هوية الجزائر متجمدة في نقطة الصفر.

إن الدليل على هذا الإخفاق هو بقاء البلاد تابعة للنظام الرأسمالي المتوحش الذي ورثته عن الإدارة السياسية/ الاقتصادية الاستعمارية، وعدم فكَ الارتباط الحاسم مع البنيات الإدارية الموروثة عن تلك الحقبة، زيادة على فشل بناء قاعدة علمية وتربوية وثقافية وفكرية حداثية، وفتح آفاق للعمل السياسي التعددي الديمقراطي المشبع بالهندسة الفكرية المتطورة والعمل به كبوصلة للتحرك في اتجاه الحداثة المادية والسياسية والاجتماعية والثقافية والتربوية.

منذ السنة الأولى للاستقلال انصبّ الاهتمام وسُخّرت الجهود لمعالجة الآثار النفسية والتخريب الشامل الموروث عن الاستعمار على أساس نهج الحزب الواحد، ومركزية السلطة الأمر الذي عطل الشروع مباشرة في التعددية الحزبية كأسلوب للتداول على الحكم وإعمال الفكر لإخصابها وتطوير آلياتها وبناء نظرية وطنية تضمن قهر أشكال التخلف الذاتي والموروث عن الحقبة الكولونيالية معا.

إن سلوك هذا النهج قد تمَ باسم قشور الاشتراكية الدغماتية والبدائية مرَة، ومرة أخرى باسم الشرعية الثورية التي اختزلها صنَاع ومنفذو القرار في القيادات العسكرية لفترة ما بعد الاستقلال، وفي “الشيوخ” الذين أتوا من خلفية الكفاح المسلح والنضال السياسي أثناء مرحلة الاستعمار، وجلَهم من شريحة الفلاحين والشريحة العمالية بالمهجر الفرنسي التي كانت تنقصها تجربة تسيير شؤون الدولة الحديثة، فضلا عن افتقادها للتكوين الفكري والثقافي العصريين.

وفي الواقع فإن تكريس هذه الواحدية الحزبية، وتمركز الحكم بين أيدي النخبة العسكرية والأمنية، قد لعبا دورا أساسيا في تغييب إمكانية بروز النقد السياسي والفكري والاجتماعي مما أدى إلى تهميش قطاعات واسعة من الشعب في الاضطلاع بالعملية السياسية والمشاركة الفاعلة في التخطيط للتنمية وتنفيذها.

في ظل هذا المناخ تم استبعاد التكوين الفكري والاجتماعي الديمقراطي والتربية السياسية ذات المضمون التعددي من البرامج الدراسية بالمنظومة التربوية بكل مستوياتها، ومن منظومة الإعلام المكتوب والمسموع والمرئي وفي الحياة الاجتماعية العامة. وفضلا عن ذلك لم يكن هناك توجه لإحداث التحويل البنيوي للمجال الاجتماعي على أساس نظرية سياسية لها صلة بمحتوى حركة التحرر الوطني على مدى قرن وثلاثين سنة.

وبدلا من ذلك كله فقد بذلت محاولات براغماتية محسوبة ومؤسسة على الحيلة من طرف النظام الحاكم لجمع واستيعاب وتجميد التناقضات العقائدية والفكرية الموجودة فعلا في البنية العميقة للمجتمع الجزائري، وذلك بواسطة إنشاء ما كان يسمى بالاتحادات المهنية والثقافية تحت مظلة الحزب الواحد. تحت سديم هذه المحاولات كانت في الجزائر تيارات سياسية- وإن كانت في الغالب تقليدية ومتخلفة في أفكارها وفي ممارساتها- تتحرك في الظل الرمادي، وتطفو هنا وهناك، وأبدت رغبتها في أن تعطى لها الفرصة لكي تتشكل كأحزاب، ولكنها قوبلت بالرفض حينا، وبالعصا حينا آخر.

ففي التحليل الأخير فإن عدم العمل بالتربية السياسية/ الفكرية الشعبية في إطار مجتمع مدني مستقل قد لعب دورا حاسما وسلبيا في تفقير الوعي السياسي لدى الأجيال الجديدة، مما أدى بها إلى استبدال النقد الفكري والسياسي السلمي، باستخدام أشكال التمرد العشوائي العنيف أو التطرف العقائدي والديني كمطية للتنفيس عن مكبوتاتها، وبغية الوصول إلى السلطة أيضا. جراء هذا الواقع المر والمعقد لم تنتقل الجزائر طوال سنوات الاستقلال إلى يومنا هذا إلى تدشين مرحلة الاندفاع الحيوي لتأسيس الفضاء الديمقراطي المفتوح على التكوين السياسي التعددي. إلى جانب ذلك فإن النخب المفكرة والمثقفة، رغم قلة عناصرها البشرية، بقيت تفكر بعيدا عن الشرائح الشعبية في المدن والأرياف، الأمر الذي جعل خطاباتها تدور في غرف مغلقة دون أن نجد لنفسها طريقا إلى المجتمع بكل فئاته وتكويناته وتلويناته.

من الملاحظ هنا هو أن ميلاد الأحزاب في المشهد السياسي الجزائري كان نتيجة لحالتين؛ أولاهما تتمثل في التمرد والخروج عن طاعة النظام العسكري والأمني الحاكم في ظل الحزب الواحد كواجهة سياسية، والثانية تتمثل في لجوء السلطة الحاكمة إلى احتواء التمرد عن طريق إنشاء أحزاب شكلية غير مؤهلة فكريا ومنهجيا وبشريا ومؤسساتيا للدخول في اللعبة التعددية السياسية الجدية.

إن إنشاء هذا النوع من الأحزاب من طرف النظام الجزائري يشبه عملية إنشاء فرق لإغاثة النظام الحاكم في صورة جوقات فولكلورية. فالأحزاب الجزائرية التي تدعى بالمعارضة لا تملك مشروعا بموجب تطبيقه نتمكن من إزالة ظواهر فقرنا المادي والتعبدي بكل تجلياتها الثقافية والأخلاقية والاقتصادية والعلمية. وفضلا عن ذلك فإن ما يسمَى بأحزاب المعارضة السياسية في شكلها ومضمونها الحاليين غير فاعلة لأنها لا تربط وجودها وتطور وعيها بالمجتمع للتعلم منه وتعليمه أيضا.

إن هذه الأحزاب التي تخسر الانتخابات باستمرار تبرز إلى السطح كمجرد ديكور انتخابي فقط، وهي بذلك تعيد باستمرار إنتاج أزمات ونقائص النظام السياسي الذي تريد أن تحل محله.

المشكلة المركزية لهذا النمط من أحزاب المعارضة تتمثل في كونها تمارس العمل السياسي بواسطة آلة (الريموت كونترول)، ولا تتفاعل دائما مع الشعب لتخدمه ولتفجر طاقاته، ولتقيم معه الحوار البناء، ولتعمل إلى جانبه من أجل تشكيل مجتمع الوعي المتعدي على أنقاض الوعي التكيَفي. لاشك أن الأحزاب الجزائرية غير مؤهلة في الوقت الحاضر لتشيد منظومة الفكر الفلسفي الديمقراطي المشتق من الواقع الجزائري وخصائصه، بمعية الانفتاح المتبصر على التجارب الديمقراطية الفكرية والتطبيقية في التراث الإنساني القديم والحديث والمعاصر، نظرا لتهميش الكفاءات المستقلة رغم قلة عددها داخل الوطن، ونظرا أيضا لندرة، إن لم نقل لعدم وجود، نخب جزائرية كمتحد ديمقراطي نظري ومعرفي داخل الأحزاب، وحتَى في المواقع الأخرى التابعة للنظام الحاكم وأجهزته الأيديولوجية.

حان الوقت لطرح واقع التعددية الحزبية في الجزائر، إلى جانب طرح قضية ما يسمى بالانتقال الديمقراطي الذي تطالب به “تنسيقية المعارضة”، أو ما يسمَى “قوى التغيير” واختبار عوامل النزاهة والاستقامة والتشاركية الأخلاقية في سلوكها، وسبر مدى انعدام أو توفر الأهلية المعرفية والعلمية والنظرية لديها، من أجل الشروع في صياغة المنطلقات الأولية للنظرية الديمقراطية المفقودة في الحياة السياسية الجزائرية.


كاتب جزائري

9