الرقص في إيران.. فن يعاقب عليه القانون

الجمهورية الإسلامية الإيرانية تمنع بشكل رسمي وباسم الدين والإيمان ممارسة العديد من الفنون مثل رقص الباليه وغناء النساء والرقص المختلط وغيرها من الأنشطة الفنية والترفيهية التي تستهوي الشباب، فكل من يمارس الرقص في إيران يعرض نفسه للعقوبات القانونية التي تصل إلى السجن، لكن ذلك لم يمنع الشباب الإيراني المولع بهذه الفنون من ممارستها بشكل سري متحديا الخوف.
الأربعاء 2016/01/20
الدار أمان

طهران - أغلب أنواع الرقص ممنوعة في إيران وعلى رأسها رقص الباليه وقد تم حل فرقة الباليه الإيراني التي تأسست عام 1958 بعد سقوط الشاه وصعود آية الله الخميني في عام 1979، نتيجة لذلك فر الراقصون الأجانب من البلاد، في حين وجد نظراؤهم الإيرانيون أنفسهم في مواجهة ثلاثة خيارات؛ إما التخلي عن هوايتهم أو مهنتهم والبحث عن وظيفة أخرى، وإما مغادرة إيران، وإما مواصلة ممارسة الرقص خفية.

ومنذ تاريخ الثورة لازمت السرية الرقص في إيران بما أن القوانين تمنعه وتعاقب كل من يتعاطى هذا النشاط حتى كمجرد هواية بل إن السلطات الدينية تعتبره منافيا للإيمان فبوبته من بين المحرمات. وتنظر الهيئات الدينية إلى الرقص ليس على أنه فن راق بل تعتبره انحطاطا أخلاقيا لأنها تضع اعتبارات الشهوة والجسد فوق الأبعاد السامية لأغلب الفنون. هذا الأمر جعل بعض أفراد مجموعة الباليه الإيرانية من الفنانين يبحثون عن حلول لممارسة نشاطهم خارج البلاد وقد وجد عدد منهم ملجأ له في السويد حيث كوّنوا في عام 1998 فرقة الباليه الفارسي (لي باليه برسان)، وهو ما أسماه البعض ولادة جديدة لفرقة الباليه الإيرانية.

ولدت فرقة الباليه الفارسي على أيدي فنانين كانوا ينشطون ضمن فرقة الباليه الإيراني ليتمكن من خلالها الراقصون الإيرانيون سواء من كانوا من بين عناصر الفرقة وهاجروا إلى خارج التراب الإيراني أو من هواة الرقص الإيراني من ممارسة هوايتهم المفضلة. وتتدرب الفتيات من الجنسية الإيرانية ضمن الفرقة بشكل سري لأن شغفهم بالرقص جعلهن يتمردن على ممنوعات السلطات الدينية وهن يدركن أنهن يعرضن أنفسهن لمخاطر العقوبة والنبذ من أسرهن ومن أفراد المجتمع الذين يعتقدون أن رقص الباليه مناف للإيمان.

وقبل قيام الثورة كان الشباب في إيران يرتادون نوادي الرقص ويستمعون إلى جميع أنواع الموسيقى ويقصدون الأماكن المخصصة للترفيه ويمارسون الرقص ويتدربون عليه في القاعات المخصصة لذلك دون خشية العقوبات القانونية.

لكن تغيرت الأحوال بعد الثورة الإسلامية لأن السلطات الدينية سنت قوانين تعتبر فيها الرقص خطيئة يعاقب مرتكبوها بالسجن ويصنفون منحلين أخلاقيا وفاسقين، لكن يبدو أن هذا الردع لم يكبح جماح عشاق الرقص والموسيقى فاختاروا ممارسة الرقص والتدرب عليه سرا وأحيانا تضطر بعض المجموعات من الشباب الهواة إلى قصد أماكن بعيدة عن أنظار الواشين والشرطة للتدريب والرقص، من قبيل البنايات المهجورة والأقبية.

الشباب الإيراني الذي يمارس الرقص يدرك أن تمرده يعرضه للاعتقال لأن السلطات الدينية تعتبر الرقص خطيئة

ولأن القمع يولد عادة التمرد والتحدي فإن تحريم الرقص والعديد من أنواع الموسيقى في إيران غذى روح التمرد لدى الشباب الهاوي لهذه الفنون الذي يراها فنونا سامية ووسيلة مفيدة بدنيا ونفسيا للتسلية، وهو ما جعل بعض الشباب الإيراني يمارس رقصة الهيب هوب الأميركية الممنوعة متظاهرا بأنه يمارس شيئا آخر أسماه “الحركات التنافسية أو المتنافسة” وهو يقوم بالتمارين في القاعات الرياضية. كما أن المنع الرسمي لرقص الباليه لم يمنع العديد من الإيرانيات من ممارسة الباليه سرا باستخدام مصطلح “الجمباز” ويتدربن عليه في قاعات الرياضة.

الهيئات الدينية في إيران منعت العديد من الأنشطة الفنية والترفيهية على المواطن الإيراني لتقيم الدليل على تشددها وانغلاقها، فهي لا تؤمن بالوجه الفني لهذه الأنشطة ولا تدرك فلسفة الفن في علاقته بالروح والجسد لكنها تتفنن في المنع والتحريم والقمع، فأغلب أنواع الرقص ممنوعة وكذلك الغناء ممنوع عن النساء، وفي المقابل نجد الشباب منفتحا بفضل الإنترنت وغيرها من وسائل التواصل المتوفرة لديه، كما أن ميوله الفنية وشغفه ببعض الأنشطة الممنوعة جعلاه يحتال من أجل التخفي والتغطية على ممارسته لهذه الفنون، فهو يطلق عليها أسماء غير صحيحة للمغالطة.

أما الفتيات المولعات بالباليه فيواجهن تحديات أكبر من غيرهن، حيث يجدن صعوبة في اقتناء الأزياء والأحذية الخفيفة الخاصة بالرقصة وهن يتدربن عليها في بعض أندية الجمباز ويسمينها، من باب الحذر، رياضة الباليه، وعموما يتم تلقي دروس الرقص الممنوع في النوادي الرياضية دون موسيقى تجنبا لإثارة الانتباه.

وتقول نسرين، وهي راقصة إيرانية سابقة اختصت في صنع أحذية الرقص في طهران: قبل الثورة الإسلامية، كان أمام الراقصات المحترفات والهواة فرصة لشراء النعال من العديد من المحلات التجارية التي توفر نماذج مختلفة وذات جودة عالية. أما بعد الثورة فقد غادرت محلات الأحذية العاصمة طهران أو غيرت وظيفتها. لكن نسرين واصلت نشاطها في صنع الأحذية وهي تعرض على موقع إينستغرام عملها وتسعى إلى إيجاد زبائن جدد، وقالت “أنا أصنع أحذية الرقص، وهم لا يستطيعون منع تصنيع الأحذية”.

ورغم أن ممارسة الرقص ما تزال أمرا محظورا إلا أن المولعات بهذا الفن واصلن ممارسة نشاطهن رغم مشاعر الحزن عندما يتم إلقاء القبض على إحداهن. وتقول نسرين “يجب أن يواصل الراقصون والراقصات التدريب السري، ويجب أن يواصل المدرسون تدريباتهم على مسرح صامت لا إيقاع فيه، ويجب أن يستمر صانعو أحذية الباليه في إخفاء نشاطهم. لأن فرص ممارسة الرقص في العلن بدأت تنمو”.

12