الرقص مع الطناجر

الأحد 2016/07/17

المطبخ هو أول مكان نطلّ عليه برؤوسنا وجوارحنا حين نودّ شراء بيت أو استئجاره أو حتّى تخيّله.

عفوا، لا يتفاصح أحد علينا، ويقول إنّه يبحث في البيت عن المكان الذي سوف توضع فيه المكتبة والجدار الذي سوف تعلّق عليه اللوحات والزاوية التي سوف تحتضن البيانو.. (شخصيا أكتب الآن هذه السطور من المطبخ).

وقد يفضّل الواحد أن يحضن زوجة طاهية، تفوح منها رائحة الثوم، على أخرى لا تتقن قلي بيضتين، حتى وإن فاحت منها كل عطور باريس.

مريول المطبخ، وعلى عكس كشتبان الخياطة، لم يجعل له مصمّموه ومفصّلوه مواصفات أنثويّة وأخرى ذكوريّة، يرتديه الجنسان بكلّ بهجة، ويتهيئان لممارسة أعرق وأخطر ثقافة عرفتها البشريّة بعد اكتشاف النار.

أُلّفت الكتب وأُقيمت المسابقات وبُنيت الحضارات وقامت الخلافات وفشلت زيجات، وفُضّلت بلاد على بلاد بسبب الطبخ.. قد لا يستحمّ المرء في اليوم الواحد، وقد لا يصلّي وقد لا ينام وقد لا يقرأ وقد لا يتكلّم، ولكن هل يبقى دون أكل؟

يعلم التاريخ أنّ أشدّ سلاح احتجاج هو الإضراب عن الطّعام، وليس عن القراءة أو الرقص أو حتّى العمل، فلماذا ينظر بعضنا إلى الطبخ باستهجان، كما ينظر جاحد إلى صحن فارغ بعد شبع؟

لو كان يستطاب العيش في منازل دون مطابخ لفضّلنا الحياة في الفنادق، فما أروع منظر الطهاة بأزيائهم البيضاء وقبّعاتهم الممشوقة كملوك الفراعنة، وهم يعدّون خلطاتهم السحريّة ويزاوجون بين المذاقات والألوان، ويصنعون أمزجة وأطباقا تطير بك إلى مختلف أصقاع العالم وأنت على كرسيّ أمام مائدة.

الطبخ فن مغبون لدى الشعوب التي لا تأكل إلاّ بأفواهها، لو يتمعّن التشكيليون والمصمّمون وخبراء العطور والروائح، وفقهاء الأناقة، في ما صنعته أنامل هذا المايسترو، والذي يمسك بأداة التحريك، ويراقص الأبخرة المتصاعدة كالسلّم الموسيقي، لو يدرك المسرحيون من تلاميذ بريخت، كيف يلغي الطاهي “الجدار الرابع”، ويجعلك تتفرّج عليه وهو يلاعب النيران في المقلاة أو يقدّم إليك أطعمة والنيران تتقد من تحتها، وذلك بقصد التشارك معه في هذه الفرجة الآسرة.

كما لا ينبغي أن ننسى شعريّة وطرافة أسماء الأطباق التي تحمل مذاقها حتى في إيقاعها الصوتي، وغيرها من الوصفات التي خلّدت صانعيها كما تخلّد الشاعر القصيدة.. إنّه الخيال حين يعانق الإتقان والحب والإثارة.

رحل ماركو باولو وبقيت المكرونة التي جلبها من الصين، وعرف الناس البيتزا قبل الملكة مارغريت وزيارة البرج الذي تسمّت به، وظلّ “الكسكسي” الأكلة المغاربيّة التي فتنت الشرق والغرب منذ مئات السّنين، حتّى أني قلت متباهيا أمام صديق لبناني “هل تعلم أنّ الكسكسي أقدم أكلة في التاريخ؟”. فأجابني بهدوء الواثق “لا حبيبي، الكبّة النيّة أقدم، لأنّها وجدت قبل اكتشاف النار”.

ليحدّث عنّا الطبخ إذن، وليقل ما عجزت عنه الأقلام والفنون.

24