الرقيب الإيراني يكتم أنفاس الصحافة المنتقدة

تضيق السلطات الإيرانية القيود على تناول الاتفاق النووي المبرم بين طهران والقوى الغربية، بعد سنوات من الحرية في الهجوم على المفاوضين، لكن اليوم أصبح انتقاد الاتفاق بمثابة اعتراض على قرارات المرشد الأعلى، وهو ما لا يمكن المساس به مطلقا في الإعلام الإيراني.
الأربعاء 2015/08/05
قرارات السلطات الأمنية خطوط حمراء في إيران لا يمكن انتقادها في الإعلام

دبي - لم يعد بإمكان الصحافة الإيرانية انتقاد خطوات السلطة فيما يتعلق بالاتفاق النووي المبرم بين طهران والقوى الكبرى، بعدما سمح لها لوقت طويل بمهاجمة المفاوضين واستنكار أي تنازلات بهذا الملف.

وأوقف مجلس الإشراف على الصحافة في إيران صدور صحيفة معارضة وحذر مؤسستين إعلاميتين أخريين من انتقاد الاتفاق النووي الذي تم التوصل إليه الشهر الماضي مع القوى العالمية. وهذه خطوة نادرة بالنسبة لجهة حكومية تستخدم بصورة أكبر في ترسيخ الفكر الاجتماعي المحافظ.

وأعلنت وكالة الأنباء الإيرانية الرسمية أول أمس، أن لجنة مراقبة الصحافة في إيران علقت صدور صحيفة للمحافظين المتشددين ووجهت إنذارين إلى وسيلتي إعلام أخريين بعد انتقادها الاتفاق النووي.

وقالت إن المجلس أوقف صدور صحيفة “9 دي” الأسبوعية التي اتهمت المفاوضين الإيرانيين بتجاوز الخطوط الحمراء التي وضعها المرشد الأعلى آية الله علي خامنئي خلال المفاوضات. وأحال المجلس القضية إلى القضاء.

وأصدر المجلس تحذيرا أيضا لصحيفة “كيهان” وموقع “راجا نيوز” الإخباري، الناطقين باسم المحافظين، وهذه انتكاسة للمنتقدين الذين يؤكدون أن المفاوضين الإيرانيين قدموا تنازلات أكثر من اللازم للوصول إلى الاتفاق النووي.

وتعرض الاتفاق لجدل واسع في إيران وتحدث الرئيس الإيراني حسن روحاني علنا قبل يومين، لتمجيد الإنجاز الذي قام به الدبلوماسيون الإيرانيون.

وكانت وسائل الإعلام الثلاث قد ضاعفت في الأيام الاخيرة الانتقادات للاتفاق النووي المبرم في 14 يوليو مع القوى الكبرى، ورأت خصوصا أن المفاوضين الإيرانيين قدموا تنازلات كبيرة.

ووجه المجلس الأعلى للأمن القومي الذي يشرف على المفاوضات النووية ويرأسه الرئيس حسن روحاني بعد 14 يوليو، مذكرة إلى وسائل الإعلام المحلية تتعلق بتغطية المفاوضات مع القوى الكبرى والاتفاق.

الرقابة الإيرانية معتادة بصورة أكبر على ملاحقة المطبوعات التي تعتبر مناهضة للمبادئ الدينية المتشددة في البلاد

وعلى إثره أجمعت الصحف الإيرانية على إبراز العناوين النووية على صفحاتها الأولى، ورغم أن بعضا من صحف المحافظين تريثت في الاحتفال بإنجاز الاتفاق النووي، كما فعلت الصحف الإصلاحية، إلا أن البعض منها اعتبره إنجازا تاريخيا واتفاق القرن.

وقال الناطق باسم وزارة الثقافة الإيرانية حسين نوشابادي في تصريحات نقلتها وكالة الأنباء “مهر” إن “بعض القضايا لها طابع حيوي للبلاد، يجب بالتأكيد منع اتخاذ المواقف المخالفة لمصالحنا القومية”.

وأضاف أن “قرارات المجلس الأعلى يجب أن يطبقها الجميع”، موضحا أن “الاتفاق النووي المبرم بإشراف المرشد الأعلى والسلطات الثلاث (التنفيذية والتشريعية والقضائية) لا يمكن أن يكون موضع انتقادات غير عادلة بسهولة”.

وصرح مدير أسبوعية “9 داي” النائب حميد رسايي على حسابه على أنستاغرام بأن هذا القرار “ليس مفاجئا من جانب حكومة هامش التهاون لديها ضيق”.

وأضاف أن صحيفته علقت “للمرة الثالثة” منذ وصول الرئيس روحاني إلى السلطة قبل سنتين بسبب مواضيع تتصل بالملف النووي.

تجدر الإشارة إلى أن وسائل الإعلام الإيرانية قضت عامين من العمل لإعداد الرأي العام الإيراني حول إمكانية التوصل إلى اتفاق نووي، فقبل أن تتم عملية انتخاب حسن روحاني رئيسا للبلاد في عام 2013، كانت وسائل الإعلام التابعة للمرشد الأعلى آية الله علي خامنئي تعتبر أن أي تراجع في عملية تخصيب اليورانيوم في المحادثات الجارية بين وزير الخارجية الإيراني ووزير الخارجية الأميركي “خطوط حمراء” لا ينبغي لإيران أن تتجاوزها.

وأفادت صحيفة “الغارديان” البريطانية أنه عندما بدأ فريق روحاني في جولة جديدة من المحادثات، تم تجاوز الخطوط الحمراء، وهو ما فرض أن يتم شرح ذلك للجمهور وبشكل خاص المؤيدين للنظام.

حسين نوشابادي: الاتفاق النووي المبرم بإشراف المرشد الأعلى ليس موضع انتقادات

وكانت الصحف المحافظة هدفا في ما مضى لعمليات تضييق. ففي شباط 2014، أقام مجلس الأمن الوطني الأعلى دعوى قضائية ضد صحفي محافظ يعمل لدى صحيفة “فاتان إي إمروز” (أمة اليوم) لانتقاده السياسة الخارجية للرئيس روحاني.

لكن الرقابة الإيرانية معتادة بصورة أكبر على ملاحقة المطبوعات التي تعتبر مناهضة للمبادئ الدينية المتشددة في البلاد.

وفي إبريل الماضي، حظرت مجلة “زنان إي إمروز” (امرأة اليوم) لإصدارها عددا خاصا عن “الزيجات البيضاء”. وهو تعبير يستخدمه غير المتزوجين الذين يعيشون معا في تحد للقانون الذي يجرم ذلك.

يذكر أن صحيفة “واشنطن بوست”، على إثر الاتفاق النووي، كثفت حملتها لإطلاق سراح صحفيها المحتجز في إيران جيسون رضائيان وناشدت مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة المساعدة في إطلاق سراحه، بعدما أمضى عاما وصفته الصحيفة بأنه احتجاز “تعسفي”.

وقال وزير الخارجية الأميركي جون كيري في وقت سابق إنه أثار قضية الأميركيين المحتجزين في طهران في كل لقاءاته مع الإيرانيين خلال الأسابيع الأخيرة من المفاوضات، لكن مصيرهم لم يكن من شروط التوصل لاتفاق.

وقال كيري في مقابلة مع شبكة إم.إس.إن.بي.سي “مازال أملنا كبيرا جدا في أن تقرر إيران فعل الصواب بإعادة أولئك المواطنين إلى الولايات المتحدة”. وقدمت صحيفة الواشنطن التماسا لمجموعة العمل الخاصة بالاحتجاز التعسفي التابعة للمجلس، وطلبت منها التحرك للضغط على طهران لإطلاق سراح رضائيان وهو واحد من أربعة أميركيين احتجزوا أو فقدوا في إيران، وتسعى الإدارة الأميركية لتحريرهم.

واعتقل رضائيان (39 عاما) المولود في ولاية كاليفورنيا ويحمل الجنسيتين الأميركية والإيرانية برفقة زوجته الصحفية الإيرانية يجانة صالحي في 22 يوليو 2014.

وأطلق سراح الزوجة لاحقا بينما وجهت تهمة التجسس لرضائيان الذي عمل مراسلا لواشنطن بوست في طهران لمدة عامين.

وقالت ليلى إحسان محامية رضائيان إنه متهم بجمع معلومات سرية وتسليمها لحكومات معادية وكتابة رسالة للرئيس الأميركي باراك أوباما والعمل ضد الأمن القومي.

18