الرقيب الفني

مرحلة ما بعد الاحتلال في العام 2013 وهي المرحلة الحالية التي تحاول أن تبلور بقوّة ملامح مختلفة وموغلة في القسوة والإحباط، لكنّها مرحلة لم تكتمل بعد ويلزمها الكثير من التأصيل والتأطير النقدي.
الأحد 2018/03/25
موبقات الحياة المعاصرة تنتهك المجتمعات (لوحة: ضياء الزاوي)

تُعَدّ الرواية حاليًا فن العصر الأكثر إدهاشًا ومتعة وقدرة على حمل الأفكار وسبر أغوار المجتمعات التي باتت تنتهكها الكثير من موبقات الحياة المعاصرة، مثل انتشار مواقع التواصل الاجتماعي وضعف العلاقات الإنسانية وتعاظم دور التكنولوجيا في حياتنا وانتشار قوانين العولمة التي تهصر الأفراد وتضعهم في منافسة غير إنسانية مع بعضهم.

من وجهة نظري كلّما أوغلنا في الزمان كلّما اندحرت قدراتنا التأمّلية وتصحرت نفوسنا حتّى صرنا عبيدًا للآلات وما تبثه شبكات التلفزيون لنا من دون أيّ تمحيص أو قدرة على الاختيار. شركات البث التلفزيوني هي التي تحدّد ما نشاهده، كما تحدّد لنا المتاجر العملاقة ما نأكله يوميًا أو ما نلبسه. في مثل هذه الأوضاع لا فسحة للتأمل وقراءة الشعر مثلاً.

وبالتأكيد سينعكس هذا الواقع المزري على الأدب بشكل عام والرواية بشكل خاص، وربما نشهد بوادر هذا الانعكاس الآن على ما يمكن أن نسميه اصطلاحًا بالرواية العراقية الجديدة ما بعد الاحتلال.

ومن وجهة نظري مرّت الرواية العراقية بأربعة أطوار منذ نشأتها حتّى الآن، الأول هو مرحلة التأسيس في الأربعينات والخمسينات، وكانت مرحلة متواضعة لكنّها رائدة، ثم المرحلة الثانية على أيدي الروائيين المهمين من جيل الستينات، وهي مرحلة مهمة ومختلفة على الرغم مما يؤخذ عليها من تأثيرات سياسية وأيديولوجية، ثم المرحلة الثالثة وهي مرحلة الحرب التي وسمت أعمال جيل كامل من الروائيين وكانت مرحلة متداخلة لم تستطع تكوين ملامحها الواضحة.

وأخيرًا مرحلة ما بعد الاحتلال في العام 2013 وهي المرحلة الحالية التي تحاول أن تبلور بقوّة ملامح مختلفة وموغلة في القسوة والإحباط، لكنّها مرحلة لم تكتمل بعد ويلزمها الكثير من التأصيل والتأطير النقدي.

وعلى الرغم من أنّني مؤمن تمامًا بأن للناس قصصا يجب أن تُروى، بعد الذي حصل في العراق، إلّا أنّني ضد الفوضى والاستسهال على صعيدي التأليف والنشر، نعم لقد حصلت نقلة جريئة في مسار الرواية العراقية على صعيد التجريب وتناول موضوعات جدلية كان مسكوتًا عنها، بعد أن منحتها فسحة الحريّة المفترضة التي حصلت في أعقاب التغيير فرصة لذلك، فاختلفت عن سابقاتها أو عما كان سائدًا من تجارب، واختطت لها مسارًا متميزًا على صعيد البنى السردية والموضوعات المتناولة والشكل، لكن تبقى تلك التجارب التي حققت هذه الملامح قليلة ولا يتناسب عددها مع الكم الهائل المنتج من روايات نُشرت في السنوات العشر الماضية، وقد أسهمت في هذا الاختلال عوامل عدّة، على رأسها الجوائز الضخمة التي خُصصت للرواية، الأمر الذي دفع بالكثير من الشعراء والنقاد وغيرهم من القرّاء العاديين لكتابة الرواية وتجريب حظوظهم، الأمر الآخر الذي أسهم في تلك الفوضى هو عدم احترافية الكثير من دور النشر العراقية التي تأسست بعد التغيير، تلك
التي غلب عليها الطابع التجاري والسعي لتحقيق الأرباح والفساد نتيجة لتواطئها مع بعض الدوائر الفاسدة في وزارة الثقافة، وهناك سبب بنيوي آخر يتمثل بفقدان الرقابة الفنية على المصنفات الإبداعية، ولا  أقصد هنا الرقيب الثقافي سيء السمعة الذي كنا نعرفه إبان النظام السابق، بل الرقيب الفني الذي يحدد صلاحية النصوص للنشر ومدى امتلاكها لمقومات العمل الإبداعي حسب  جنسها.

لقد كان لهذه الأسباب مجتمعة الدور الأكبر في انتشار الفوضى في عالم النشر وفي مجال الرواية تحديدًا. ولا أرى شخصيًا أفقًا لمعالجة تلك الأزمة في الوقت الحاضر سوى النأي بالتجارب الجادّة عن سوق النشر التجارية وعدم التركيز على المسابقات والاحتكام إلى حدٍ أدنى من الاشتراطات الفنيّة وعودة الرقيب الفنّي.

12