الرقيب المتمرد

الأربعاء 2017/05/10

عندما كنت رئيسا لجمعية نقاد السينما المصريين في 2002 قبل أن أستقيل من الرئاسة ولاحقا من الجمعية كلها بعد أن رأيت أنها فقدت مبررات وجودها، نظمت شهرا لعرض أربعة أفلام كانت ممنوعة رقابيا في مصر، ثم أدرت ندوة موسعة دعونا إليها عددا من السينمائيين لتقديم شهاداتهم الشخصية مع الرقابة، كما دعونا بعضَ مَنْ تولوا منصب مدير الرقابة. وقد حضر الندوة عدد كبير من النقاد والسينمائيين منهم المخرج محمد ملص الذي قدم شهادته عن تجربته مع الرقابة السورية، والمخرجة المصرية عطيات الأبنودي التي قدمت شهادتها، والمخرج هاشم النحاس وغيرهم، ثم نشرنا النص الكامل للندوة في كتاب صدر عن الجمعية بعنوان “الرقابة بين القيود والحدود”.

كان مصطفى درويش -الذي رحل عن عالمنا مؤخرا عن 89 عاما- هو الرقيب الوحيد السابق الذي لبى الدعوة، وقدم شهادته بصراحته المعتادة.

كان مصطفى درويش على قدر علمي، القاضي الوحيد الذي جاء من ساحة القضاء إلى النقد السينمائي، فقد أسند إليه الدكتور ثروت عكاشة منصب مدير الرقابة في المرتين اللتين تولى فيهما عكاشة وزارة الثقافة في عهد الرئيس عبدالناصر.

وكان درويش يتمتع بثقافة سينمائية رفيعة، وكان يقتني الكثير من الكتب والدوريات السينمائية الأجنبية، ويحرص على مشاهدة الأفلام الجديدة خلال أسفاره العديدة، وكان يجيد اللغتين الفرنسية والإنكليزية إلى جانب العربية التي كان يكتب بها بأسلوب كلاسيكي فخيم مميز.

اشتركت مع مصطفى درويش في تأسيس جماعة “سينما الغد” في السبعينات، وكانت تعرض الأفلام الرفيعة وتناقشها مع أعضائها في مقر المعهد الثقافي الإيطالي.

اختلفنا كثيرا نحن شباب الجامعة في تلك الفترة مع مصطفى درويش الذي كان يسعى لكبح جماح ما كان يعتبره “تطرفنا السياسي” وقتها، خاصة أن الفترة كانت حافلة بالاستقطابات الحادة بين الحركة الثقافية التي كانت تميل بوضوح إلى اليسار، ومؤسسات السلطة في عصر الرئيس السادات، بعد أن جاء السادات بالكاتب يوسف السباعي وزيرا للثقافة فبدأ يصادر ويغلق المنابر والمجلات الثقافية المشهود لها.

وكان ثروت عكاشة خلال السنوات القليلة التي تولى خلالها وزارة الثقافة وراء إنشاء المعاهد الفنية في مصر مثل معهد الكونسرفاتوار ومعهد الفنون الجميلة ومعهد السينما ومعهد الفنون المسرحية، إلى جانب هيئة الكتاب وفرقة الأوبرا، وفرقة الباليه المصرية، وفرقة أوركسترا القاهرة السيمفوني، وفرقة الموسيقى العربية، والسيرك المصري، ومسرح العرائس وغير ذلك.

ليس معروفا بالضبط ما الذي جعل ثروت عكاشة، وهو في الأصل ضابط في الجيش اشترك في حركة الضباط في 1952، يسند هذا المنصب الخطير إلى مصطفى درويش، ربما كان السبب هو اشتراكهما في اعتناق الفكر اليساري، لكن درويش، ذلك الأرستقراطي اليساري، لم يكن يلتزم بما يلتزم به عادة الموظفون الراغبون في الصعود، بل كان لاذعا في انتقاداته للنظام، بل وللوزير نفسه أيضا.

وطبقا للشهادة التي قدمها في الندوة المشار إليها، فقد طرد في المرة الأولى في أواخر الخمسينات بعد أقل من عام في المنصب، ثم عاد في 1967، لكنه طرد مجددا في العام التالي بعد أن تعرض لحملة هائلة من جانب النواب الإسلامانيين في البرلمان، حيث شنوا هجوما عنيفا عليه بسبب ليبراليته وانحيازاته لسينما الفن الجميل وسماحه بعرض أفلام تتضمن مشاهد جريئة لكبار السينمائيين الأوروبيين، وقد وصل الأمر إلى حد تخصيص جلسة محاكمة له في البرلمان، حيث حمله البعض مسؤولية هزيمة 1967، ومنهم من طالب باستبداله برقيب يكون “درويشا حقيقيا”!

كان انحياز مصطفى درويش الثابت لمهمة الناقد، لا لمقعد الموظف، لذلك كان طبيعيا أن يجد نفسه مستبعدا من العمل الثقافي الرسمي في مصر، وظل حتى آخر يوم في حياته يمارس حبه للسينما، بالقراءة والاطلاع وكتابة النقد بشكل مستقل، كما كان ينقل خبراته إلى الجيل الجديد من عشاق السينما الذين كانوا يترددون على منزله.

رحم الله مصطفى درويش ألف رحمة وغفر له.

ناقد سينمائي مصري

16